شبكة طريق الحرير الإخبارية/
بقلم الكاتب: بادي مكي*
نعم، للأسف الشديد، لقد دخلنا عصر انقلاب المفاهيم!
هذا التساؤل الملحّ فرض نفسه عليّ وأنا أتابع مجريات الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحديدًا حين طالبت رئيسة وزراء اليابان في كلمتها يوم 22 سبتمبر 2026م بإلغاء “بنود الدول المعتدية” من ميثاق الأمم المتحدة.
وفي المقابل، واجهت الصين هذا الطلب برفض قاطع وصوت قوي، معتبرة أن هذه البنود تظل صمام أمان ضروري لمنع عودة النزعة العسكرية في طوكيو، أو في أي دولة تحمل ماضيًا استدماريًا مظلمًا.
وجاء الرد الصيني الرسمي والحاسم في الأمم المتحدة بتاريخ 29 سبتمبر 2026م نصًا:
“بنود الدول المعتدية (المواد 53 و77 و107) هي ترتيب مؤسسي لمنع عودة الفاشية والعسكرة، وحماية النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. إن محاولة اليابان حذفها ما هي إلا سعي للتنصل من تاريخ العدوان والتهرب من المسؤولية القانونية، والصين تعارض ذلك بشدة.”
الذاكرة الجماعية.. حارس السلم العالمي
إن حذف هذه البنود من القانون الدولي يعادل منح شهادة حسن سيرة وسلوك لكيانات عاثت في الأرض فسادًا. وحين أكدت الصين أن هذه المواد ضرورية لكبح جماح النزعة العسكرية المتغطرسة، فإنها كانت تدافع عن مبدأ قانوني وإنساني يهمنا جميعًا كشعوب تعرضت للظلم. ونحن -الجزائريين بالتحديد- ندرك أن جرائم المستدمر لا تسقط بالتقادم، وأن ذاكرة الضحايا هي الضامن الحقيقي للسلم العالمي.
إن المنطق الذي يحكم سلوك الدول المعتدية واحد لا يتجزأ؛ لذا فإن الموقف الذي تتبناه الصين اليوم هو ذاته الموقف الذي يتبناه الشعب الجزائر ضد الاستدمار الفرنسي. فإذا سُمح لليابان بمحو صفتها كدولة معتدية سابقة دون اعتراف كامل، واعتذار رسمي، وتعويض عادل، فسيُفتح الباب على مصراعيه لفرنسا لتدعي هي الأخرى أن جرائمها في الجزائر قد “عفا عليها الزمن”.
مفارقة عجيبة ونظام مزدوج المعايير.. عجبًا لهذا المنطق!
اليابان التي أزهقت أرواح نحو 35 مليون صيني، واحتلت الأرض، ونهبت الثروات، وبشّعت بالبشر عبر تجارب الأسلحة البيولوجية في “الوحدة 731″، تقف اليوم في المحفل الأممي لتطالب بإسقاط صفة المعتدي عنها بدعوى أنها غدت “دولة محبة للسلام”.
وفارس الاستدمار الأوروبي -كما كان المفكر والسياسي الجزائري الراحل مولود قاسم نايت بلقاسم يصف فرنسا بمقتٍ لمصطلح “استعمار”، مؤكدًا أن هدفها كان تدمير الكيان الجزائري الثقافي والاجتماعي ونهب ثرواته لا إعماره- تتبنى النبرة ذاتها، داعية إلى “طوي صفحة الماضي” والتجاوز عن الاعتذار!
إن فرنسا التي قتلت الملايين من الجزائريين، ودمرت القرى، وفجرت القنابل النووية في “رقان” بالصحراء الجزائرية، تحاول العزف على النغمة ذاتها.
لهذا السبب ترفض الصين، ولهذا المبدأ يجب أن تدعم الجزائر هذا الموقف، وكل حرّ في هذا العالم يجب أن يقول: “لا لإلغاء بنود العدوان إلا بعد محاسبة كاملة، واعتذار رسمي من الدولة المعتدية للشعوب والدول التي كانت ضحية لذلك العدوان والاستدمار.”
المجد والخلود للشهداء، وعاشت العلاقات الأخوية بين الجزائر والصين.
*الكاتب بادي مكي، باحث تاريخي، نائب رئيس تحرير شبكة طريق الحرير الإخبارية، عضو الفرع الجزائري في الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين، وعضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل.