شبكة طريق الحرير الإخبارية/
بقلم نجيب الكمالي.
وأنا أطالع مقال الزميل عبد القادر خليل حول انتخابات الكورولتاي في كازاخستان وجدت نفسي أمام قراءة مختلفة لا تتوقف عند حدود الحدث السياسي أو تفاصيل الانتخابات فقط بل تفتح نافذة أوسع لفهم مشروع دولة تحاول أن تبني مستقبلها من خلال الجمع بين إرثها التاريخي ومتطلبات العصر الحديث.
لقد نجح الزميل خليل في نقل الانتخابات من كونها مجرد استحقاق دستوري إلى مساحة أوسع تتعلق ببناء المؤسسات وتطوير علاقة الدولة بالمجتمع وصياغة نموذج خاص في الإصلاح ينطلق من خصوصية كازاخستان الوطنية وانفتاحها على التحولات العالمية.
وتبرز أهمية المقال في أنه وضع التجربة الكازاخية في إطارها الجيوسياسي الحقيقي فهذه الدولة ليست مجرد دولة في آسيا الوسطى بل تقع في موقع محوري داخل الفضاء الأوراسي بحكم موقعها بين الصين وروسيا وأوروبا وهو ما منحها دوراً متزايداً في حركة التجارة والطاقة والنقل والاستثمار.
كما أن ارتباط كازاخستان بمبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين من العاصمة أستانا عام 2013 منحها أهمية استراتيجية باعتبارها جسراً يربط الشرق بالغرب وممراً رئيسياً لمشروعات البنية التحتية والطاقة والتعاون الاقتصادي وهذا يجعل استقرارها السياسي وتطور مؤسساتها عاملاً مهماً في مستقبل العلاقات الاقتصادية بين مختلف المناطق.
واللافت في تجربة الكورولتاي أنها لا تمثل مجرد تغيير في شكل المؤسسات بل محاولة للجمع بين التاريخ والمستقبل فاسم الكورولتاي يحمل دلالة حضارية مرتبطة بثقافة التشاور واتخاذ القرار الجماعي لكنه اليوم يأتي في إطار حديث يرتبط بقضايا جديدة مثل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء
وهنا يبرز السؤال الأهم هل تستطيع هذه التجربة أن تنتقل من الجانب الرمزي إلى مؤسسة فاعلة تؤثر في صناعة القرار وتلبي تطلعات المواطنين لأن نجاح أي إصلاح لا يقاس فقط بالنصوص والقوانين بل بقدرة المؤسسات على تحويل الأفكار إلى نتائج يشعر بها المجتمع.
ومن النقاط المهمة التي يطرحها مقال الزميل خليل أن قوة الدول في العصر الحديث لا تصنعها الموارد أو الجغرافيا وحدها بل تصنعها المؤسسات القادرة على استثمار هذه الموارد وتحويل الموقع الاستراتيجي إلى قوة اقتصادية وسياسية.
وفي هذا السياق تمثل العلاقة بين كازاخستان والصين ضمن مبادرة الحزام والطريق نموذجاً لطبيعة العلاقات الدولية الجديدة القائمة على الشراكات في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والتحول الاقتصادي فالمنافسة اليوم لم تعد فقط على امتلاك الموقع بل على القدرة على تحويل الموقع إلى مشروع تنموي مؤثر
ومن هنا يبرز تساؤل مهم هل تستطيع كازاخستان الانتقال من كونها ممراً تجارياً مهماً إلى مركز اقتصادي وتقني مؤثر في قلب أوراسيا وهل تستطيع مؤسساتها الجديدة مواكبة طموحاتها المستقبلية
كما تقدم تجربة الكورولتاي درساً مهماً للدول العربية بأن الإصلاح الحقيقي لا يعني استنساخ نماذج جاهزة من الخارج بل بناء نموذج خاص ينطلق من التاريخ والهوية الوطنية ويستفيد من تجارب العالم
فالدول التي تصنع المستقبل هي التي تجمع بين الأصالة والتجديد وتحافظ على خصوصيتها وفي الوقت نفسه تنفتح على المعرفة والتكنولوجيا وتبني مؤسسات قادرة على مواجهة تحديات المستقبل
وربما يكون الدرس الأعمق في قراءة الزميل عبد القادر خليل هو أن بناء الدولة ليس مشروعاً قصير المدى بل مسار طويل يحتاج إلى رؤية استراتيجية ومؤسسات قوية وقدرة على تحويل التاريخ والجغرافيا إلى عناصر قوة
إن تجربة الكورولتاي الكازاخي كما قدمها الزميل خليل ليست مجرد موضوع سياسي بل نافذة للتفكير في مستقبل الدولة الحديثة وكيف يمكن للمؤسسات أن تكون جسراً يصل بين الماضي والمستقبل وبين الهوية الوطنية ومتطلبات العصر.
بقلم نجيب الكمالي
رئيس تحرير موقع صوت القضية والطباعة والنشر الإخباري
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
صحفي في صحيفة 14 أكتوبر