Friday 18th September 2026
شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

مبادرات شي جينبينغ للشرق الأوسط: بين الرؤية السياسية وإمكانات التطبيق ودور العراق

منذ 3 دقائق في 18/سبتمبر/2026

شبكة طريق الحرير الإخبارية/

 

مبادرات شي جينبينغ للشرق الأوسط: بين الرؤية السياسية وإمكانات التطبيق ودور العراق

 

أ.د. أحمد سامي المعموري

 

تأتي المبادرات الأربع التي طرحها الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال زيارته إلى القاهرة في 2 أيلول/سبتمبر 2026 في واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً في التاريخ الحديث للشرق الأوسط. فالمنطقة لا تواجه أزمة واحدة يمكن عزلها ومعالجتها بصورة منفردة، وإنما تواجه شبكة متداخلة من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، تتقاطع فيها الحرب والصراع على النفوذ وأمن الطاقة والممرات البحرية والقضية الفلسطينية والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، فضلاً عن التحولات المتسارعة في بنية النظام الدولي.

وفي هذا السياق، لم تأتِ المبادرة الصينية بوصفها موقفاً دبلوماسياً عابراً من أزمة محددة، وإنما طرحت بكين تصوراً أوسع لإعادة بناء مفهوم الأمن الإقليمي نفسه. فقد دعا شي جينبينغ إلى بناء «هيكل أمني جديد للشرق الأوسط» يقوم على رؤية للأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، وحدد لذلك أربعة محاور رئيسية: إطلاق القوة الداخلية للأمن المشترك في المنطقة، والدفع نحو معالجة شاملة للأزمات الإقليمية، وترسيخ التنمية باعتبارها أساساً للأمن المستدام، وتعزيز التنسيق الدولي على أساس ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

تكمن أهمية هذه المبادرات، قبل البحث في فرص نجاحها أو صعوبات تطبيقها، في أنها تحاول نقل النقاش من سؤال «كيف نوقف الأزمة الحالية؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «كيف يمكن بناء منظومة أمن إقليمي تمنع تكرار الأزمات؟».

وهذه النقلة مهمة سياسياً؛ لأن الشرق الأوسط عاش خلال العقود الماضية نمطاً متكرراً من إدارة الأزمات بدلاً من معالجة بنيتها العميقة. فالتدخلات العسكرية، والتحالفات الأمنية، والوساطات المؤقتة، واتفاقات وقف إطلاق النار، على أهميتها في بعض المراحل، لم تؤدِّ بصورة مستدامة إلى إنشاء منظومة إقليمية قادرة على إدارة الخلافات ومنع انتقالها من أزمة إلى أخرى.

ومن هنا فإن المبادرة الصينية تطرح فكرة مختلفة نسبياً، تقوم على أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يكون مستورداً بصورة كاملة من الخارج، وأن دول المنطقة ينبغي أن تكون طرفاً أساسياً في تحديد قواعد الأمن التي تحكم علاقاتها.
وهذا لا يعني بالضرورة إلغاء دور القوى الدولية، وهو أمر غير واقعي في منطقة ترتبط أمنياً واقتصادياً واستراتيجياً بالعالم الخارجي، وإنما يعني محاولة إعادة توزيع الأدوار بحيث لا تكون دول الشرق الأوسط مجرد ساحات لتنافس القوى الكبرى، بل تصبح شريكاً في صياغة الترتيبات الأمنية والسياسية التي تخصها.

المبادرة الأولى: الأمن من الداخل

تدعو المبادرة الأولى إلى إطلاق القوة الداخلية للأمن المشترك، ورفض التدخل الخارجي، وتعزيز الحوار بين دول المنطقة بشأن السلام والأمن ، ومن الناحية النظرية، تبدو الفكرة منطقية؛ لأن أي منظومة أمن إقليمية لا تستطيع الاستمرار إذا لم تكن القوى الأساسية داخل الإقليم مستعدة للمشاركة فيها. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من المبدأ إلى التطبيق فالشرق الأوسط ليس كتلة سياسية متجانسة بل كل منها تمتلك مصالح وتصورات أمنية مختلفة، كما أن علاقاتها بالقوى الدولية الكبرى متفاوتة. وبعض الدول ترى في الوجود العسكري الأمريكي ضمانة لأمنها، في حين ترى دول أخرى أن استمرار الاعتماد على القوى الخارجية يمثل أحد أسباب اختلال الأمن الإقليمي لذلك فإن نجاح هذا المبدأ يتطلب أولاً بناء قدر من الثقة بين دول المنطقة، وإيجاد آليات للحوار الأمني المنتظم .

المبادرة الثانية: معالجة الأزمات باعتبارها منظومة مترابطة

أما المبادرة الثانية فتقوم على فكرة أن أزمات الشرق الأوسط مترابطة، وأن التعامل معها بصورة منفصلة قد لا يؤدي إلى استقرار طويل الأمد. ولذلك دعت الصين إلى البحث عن حلول شاملة، مع التأكيد على أن القضية الفلسطينية تقع في قلب قضايا الشرق الأوسط ولا ينبغي تهميشها.

وهنا تبرز إحدى أهم نقاط القوة السياسية في التصور الصيني، وهي محاولة النظر إلى المنطقة باعتبارها منظومة أزمات مترابطة، وليس ملفات منفصلة ، فالقضية الفلسطينية، وأمن الخليج، والعلاقات العربية–الإيرانية، وأمن البحر الأحمر، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، والأزمات في دول النزاع، كلها تتفاعل بدرجات مختلفة. ولذلك فإن أي تسوية جزئية يمكن أن تكون معرضة للانتكاس إذا بقيت الأسباب السياسية والأمنية والاقتصادية التي تنتج عدم الاستقرار قائمة.

لكن نجاح هذه المبادرة تتطلب توافقاً بين أطراف تختلف في تعريف المشكلة وفي تحديد المسؤولية وفي طبيعة الحلول المقبولة لديها ولهذا فإن القيمة العملية للمبادرة ستتوقف على قدرة الصين والدول الإقليمية على تحويل مفهوم «الحل الشامل» إلى مسارات تفاوضية محددة، بدلاً من بقائه إطاراً عاماً للخطاب السياسي.

التنمية ليست نتيجة للأمن فقط، بل أحد مصادره

المبادرة الثالثة، المتعلقة بجعل التنمية أساساً للأمن المشترك، تحمل بعداً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الأهمية. فقد أكدت الصين أن تحقيق الاستقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط يرتبط بالتنمية، وأبدت استعدادها للعمل في حماية طرق الملاحة وتعزيز التعاون التنموي وهنا تظهر إحدى السمات المميزة للمقاربة الصينية؛ فالأمن في التصور الصيني لا ينفصل بصورة كاملة عن التنمية الاقتصادية والبنية التحتية والتجارة والطاقة والاتصال ، فالموانئ والطرق والسكك الحديدية وشبكات الكهرباء والطاقة والمياه والمناطق الصناعية ليست مجرد مشروعات اقتصادية، وإنما يمكن أن تتحول إلى أدوات لبناء مصالح مشتركة بين الدول. وكلما ازدادت المصالح الاقتصادية المتبادلة، أصبحت كلفة الصراع أعلى، وأصبحت فرص التعاون أكثر جاذبية.

غير أن الربط بين التنمية والأمن يحتاج أيضاً إلى شروط موضوعية. فالتنمية ينبغي أن تكون جزءاً من منظومة أوسع تشمل الإصلاح المؤسسي، والاستقرار السياسي، وحماية الاستثمارات، وتطوير التعليم، وتوفير فرص العمل، وتعزيز التجارة الإقليمية.

ومن هذه الزاوية، فإن المبادرة الصينية تصبح أكثر قابلية للترجمة العملية عندما تنتقل من مفهوم «التنمية» العام إلى مشروعات إقليمية مترابطة في الطاقة والنقل والموانئ والمياه والصناعة والتكنولوجيا.

المبادرة الرابعة: القانون الدولي ودور الأمم المتحدة
أما المبادرة الرابعة فتتمثل في تعزيز التنسيق الدولي للأمن الإقليمي، مع التأكيد على ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ودور المنظمة الدولية في معالجة قضايا المنطقة وهذا البعد مهم؛ لأنه يمنح المبادرة إطاراً مؤسسياً دولياً ويخفف من احتمال تقديمها باعتبارها مشروع تحالف صيني جديد في مواجهة تحالف غربي قائم ويمكن قراءة هذا المبدأ باعتباره محاولة لتوسيع مساحة العمل متعدد الأطراف، بحيث لا تكون ترتيبات الشرق الأوسط محكومة حصراً بتوازنات القوة بين الدول الكبرى.

لكن نجاح هذا المبدأ يتوقف على مدى قدرة الأطراف الدولية على الاتفاق على تفسير عملي لمبادئ القانون الدولي، ولا سيما في القضايا التي تتباين فيها المواقف السياسية. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الأطراف على ترجمة هذه المبادئ إلى قرارات وآليات تفاوض ومؤسسات
ومن المهم طرح تساؤل هو هل المبادرات الصينية مشروع لمواجهة الولايات المتحدة؟

من الممكن قراءة المبادرات الصينية في إطار المنافسة الاستراتيجية بين بكين وواشنطن، اذ تسعى الصين إلى توسيع نفوذها السياسي في الشرق الأوسط بالتوازي مع نفوذها الاقتصادي. وقد وصفت تقارير صحفية الزيارة إلى مصر بأنها جزء من مسعى صيني أوسع لتعزيز حضورها في المنطقة لكن اختزال المبادرات الأربع في كونها مجرد «مشروع صيني لمواجهة المشروع الأمريكي» قد يكون تبسيطاً للمشهد فالصين نفسها ترتبط اقتصادياً بمصالح واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وآسيا، كما أن استقرار الشرق الأوسط وممراته البحرية وأسواق الطاقة يمثل مصلحة اقتصادية صينية مباشرة، وليس فقط أداة في صراع النفوذ والأدق أن المبادرة يمكن فهمها بوصفها محاولة صينية لتوسيع حضورها السياسي والدبلوماسي في منطقة ذات أهمية استراتيجية، وفي الوقت نفسه الدفع باتجاه نظام إقليمي أكثر تعدداً في مراكز التأثير.

وهذا لا يعني بالضرورة أن النموذج الصيني سيحل محل النموذج الأمريكي، ولا أن دول المنطقة مطالبة بالاختيار بين بكين وواشنطن. بل قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار التنافس والتعاون معاً، مع سعي الدول الإقليمية إلى تنويع شراكاتها وتقليل اعتمادها على طرف واحد.
العراق: أين تكمن المصلحة العراقية؟

تكتسب المبادرات الصينية أهمية خاصة بالنسبة للعراق؛ ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، وإنما بسبب طبيعة علاقاته المتنامية مع الصين. فالعراق يقع في نقطة جغرافية تربط الخليج بإيران وتركيا واوربا، ويمتلك موارد نفطية كبيرة، ويحتاج في الوقت ذاته إلى تطوير شبكات النقل والكهرباء والطاقة والمياه والبنية التحتية والصناعة وتؤكد البيانات الصينية الرسمية المحدثة في تموز/يوليو 2026 أن الصين أصبحت أكبر شريك تجاري للعراق، وأن التجارة الثنائية بلغت 51.17 مليار دولار في عام 2025، كما أن العراق كان ثالث أكبر مصدر للنفط الخام إلى الصين.

وهذه المعطيات تجعل العراق معنياً بصورة مباشرة بأي تحول في البيئة الأمنية والاقتصادية للشرق الأوسط فإذا تحولت فكرة «الأمن من خلال التنمية» إلى مشروعات إقليمية حقيقية، يستطيع العراق أن يكون جزءاً من هذه المنظومة عبر مشروعات النقل والربط الكهربائي والطاقة والموانئ والطرق والمناطق الصناعية كما يمكن للعراق أن يستفيد من موقعه في مشاريع الربط بين الخليج وتركيا واوربا وأن يتحول من دولة تتأثر بأزمات المنطقة إلى دولة تسهم في بناء شبكات المصالح الاقتصادية التي تساعد على تخفيفها.

وعليه من أهم النتائج التي يمكن أن تستخلصها بغداد من هذه المبادرات أن مصالحها لا تفرض عليها بالضرورة الانضمام إلى محور دولي في مواجهة محور آخر فالعراق يمتلك علاقات مع الولايات المتحدة، ومع دول الجوار، وعلاقة اقتصادية متنامية مع الصين، فضلاً عن علاقاته الاقليمية والدولية الاخرى ومن ثم فإن السياسة الأكثر ارتباطاً بالمصلحة العراقية هي التي تقوم على تنويع الشراكات وليس استبدال تبعية بتبعية أخرى وبهذا المعنى يمكن للعراق أن يتعامل مع الصين بوصفها شريكاً أساسياً في التنمية والاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية، مع استمرار علاقاته مع الولايات المتحدة وشركائه الأوروبيين والعرب وغيرهم في مجالات الأمن والتكنولوجيا والأسواق والتعليم والاستثمار ولا ينبغي النظر إلى هذا التنوع باعتباره تناقضاً في السياسة الخارجية، بل يمكن أن يمثل أحد عناصر القوة التفاوضية للعراق إذا استطاع إدارة علاقاته على أساس المصالح الوطنية والقواعد المؤسسية ، ذلك إن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده قوة دولة واحدة، بل قدرة دول المنطقة على بناء شبكة من المصالح المشتركة والمؤسسات الإقليمية التي تجعل السلام والاستقرار والتنمية مصالح متبادلة، وتمنح دول المنطقة مساحة أوسع في تحديد مستقبلها وموقعها داخل النظام الدولي المتغير.

*الاستاذ الدكتور احمد سامي المعموري
باحث واكاديمي

 

(*ملاحظة المحرر: تعبر المقالة عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة رأي شبكة طريق الحرير الإخبارية)

بواسطة: khelil

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

إقتباسات كلاسيكية للرئيس شي جين بينغ

في مئوية تأسيس الحزب الشيوعي الصيني

أخبار أذربيجان

مبادرة الحزام والطريق

سياحة وثقافة

حقائق شينجيانغ

حقائق تايوان

حقائق هونغ كونغ

هيا نتعرف على الصين

الدورتان السنويتان

الصين تحت المجهر: مقالات.. تعليقات.. تحليلات

النشر في شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

الإحصائيات


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *