شبكة طريق الحرير الاخبارية/
بقلم/ نجيب الكمالي
أحياناً لا تحتاج إلى أن تطأ أرض بلد كي تشعر أنك تعرف شيئاً من روحه. يكفي أن تراقب ما يحدث فيه، كيف كان وكيف أصبح، ثم تعود إلى السؤال الذي لا يتركك بسهولة: كيف حدث كل هذا؟
هذا هو السؤال الذي يعيدني دائماً إلى الصين.
لا أقصد الصين التي تظهر في الصور، الأبراج العالية والقطارات السريعة والمصانع التي تعمل بلا توقف. ما يشدني أكثر هو تلك الرحلة الطويلة التي جاءت قبل هذه الصورة. بلد عرف الفقر والمجاعة والاضطرابات، ثم بدأ يبني، وببطء شديد في البداية، حتى وصل إلى الفضاء والذكاء الاصطناعي والروبوتات والطاقة الجديدة.
ربما الحكاية كلها تختصر في كلمة واحدة: الزمن.
الصين لم تتعامل مع الزمن كشيء يمر. كانت تحاول أن تضع في كل سنة شيئاً يبقى بعدها. مدرسة، مصنع، طريق، جامعة، تجربة، معرفة. حتى الخطأ لم يكن نهاية الطريق، بل شيئاً تتعلم منه وتعود إلى الطريق.
وهنا أجد نفسي، دون أن أقصد، أعود إلى اليمن.
في الرابع والعشرين من سبتمبر المقبل، نصل إلى سبعين عاماً من العلاقات الدبلوماسية بين اليمن والصين. سبعون عاماً رقم كبير. أجيال كاملة ولدت وكبرت ورحلت، والصين التي عرفها اليمنيون في بدايات هذه العلاقة ليست هي الصين التي نراها اليوم.
أتذكر هذا الرقم وأتساءل: ماذا فعلنا نحن بكل هذه السنوات؟
لا أطرح السؤال لأقارن اليمن بالصين وكأن ظروف البلدين واحدة. هذا غير صحيح، ولا يخدم الفكرة. لكنني أتأمل فقط كيف تعامل كل طرف مع الزمن.
الصين كانت تضيف شيئاً فوق شيء.
ونحن، في سنوات طويلة، كنا ننتقل من أزمة إلى أزمة.
حروب، انقسامات، صراعات سياسية، أزمات اقتصادية، مؤسسات تتراجع، ومواطن ينتظر راتبه أو خدمة أساسية لا تصل. سنوات كثيرة مرت علينا وهي ثقيلة، حتى أصبح مجرد البقاء إنجازاً في نظر كثير من الناس.
وهذا أكثر ما يؤلمني.
لأن اليمن ليس بلداً بلا إمكانات.
كم مرة قلنا إن موقع اليمن استثنائي؟ كم مرة تحدثنا عن عدن ومينائها؟ وعن باب المندب؟ وعن البحر العربي؟ وعن الإنسان اليمني الذي عرف التجارة والهجرة والانفتاح على العالم منذ زمن بعيد؟
نعرف كل ذلك جيداً.
لكن المعرفة وحدها لا تكفي.
البحر لا يبني ميناءً، والميناء لا يصنع اقتصاداً إذا غابت الدولة، والموقع الجغرافي لا يتحول تلقائياً إلى ثروة. حتى الجامعة، مهما كان اسمها، لا تستطيع أن تنتج معرفة حقيقية إذا كان الأستاذ والطالب والمختبر غارقين في أزمات لا تنتهي.
وهنا بالذات أرى أحد أهم الدروس في التجربة الصينية.
ليست المسألة في امتلاك عنصر واحد من عناصر القوة. المسألة في أن تعرف كيف تجعل هذه العناصر تعمل معاً.
التعليم يرفد الصناعة، والصناعة تحتاج إلى المعرفة، والمعرفة تحتاج إلى البحث، والبحث يفتح باب التكنولوجيا، والتكنولوجيا تحرك الاقتصاد. وكل ذلك يحتاج إلى مؤسسات ودولة تعرف إلى أين تريد أن تذهب.
أما نحن فما زلنا نملك أشياء كثيرة، لكننا لم ننجح حتى الآن في جمعها داخل مشروع واحد.
لدينا البحر.
لدينا الموانئ.
لدينا الموقع.
لدينا الشباب.
ولدينا تاريخ طويل مع الصين.
لكن أين المشروع الذي يجمع كل ذلك؟
ربما هذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف عندها ونحن نحتفل بسبعين عاماً من العلاقة مع الصين.
لا يكفي أن نتذكر التاريخ، ولا أن نقيم الاحتفالات ونلقي الكلمات. السؤال الحقيقي بالنسبة لي هو: ماذا نريد من السبعين عاماً القادمة؟
هل نريد علاقة تقوم على المناسبات والبيانات، أم نريدها علاقة تدخل إلى الجامعة والمختبر والميناء والطاقة والزراعة والصناعة والإعلام؟
والسؤال الآخر، وربما هو الأهم: ماذا يريد اليمن نفسه؟
هذه النقطة لا تستطيع الصين أن تجيب عنها نيابة عنا.
الشراكة تبدأ عندما تعرف ماذا تريد. عندما تكون لديك رؤية واضحة، تستطيع أن تذهب إلى أي دولة في العالم وتقول: هذا ما نحتاجه، وهذا ما نستطيع أن نقدمه.
أما أن نظل نسأل دائماً: ماذا يمكن أن تقدم لنا الصين؟ فهذه ليست شراكة كاملة.
الصين نفسها لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها جلست تنتظر أن يأتيها المستقبل. كانت تجرب، وتتعلم، وتعيد المحاولة. واليوم، عندما أقرأ عن الروبوتات البشرية أو الذكاء الاصطناعي أو السيارات الكهربائية، لا أراها أشياء منفصلة عن الماضي.
أراها نتيجة سنوات طويلة.
وهذا ما يجعلني أفكر في اليمن أكثر.
نحن أيضاً لا نحتاج إلى معجزة.
نحتاج أن نبدأ.
جامعة تعمل كما يجب. مدرسة تحترم عقل الطالب. ميناء يستعيد وظيفته. طريق آمن. مؤسسة تحاسب وتكافئ. شاب يجد فرصة بدل أن يقضي سنواته يبحث عن طريق للخروج من البلد.
هذه الأشياء تبدو صغيرة عندما نتحدث عنها منفردة، لكنها في النهاية هي التي تصنع الدولة.
والحرب، مهما طالت، ليست قدراً أبدياً.
لكنني أخشى أحياناً من سؤال ما بعد الحرب أكثر من سؤال الحرب نفسها.
ماذا سنفعل في اليوم التالي؟
هل سنعود إلى الطريقة ذاتها في إدارة البلد؟ هل سنعيد إنتاج الخلافات نفسها؟ هل سنختلف على السلطة بينما تتساقط المؤسسات من حولنا؟
أم أننا سنقول لأنفسنا، ببساطة، لقد خسرنا سنوات كثيرة، فلا نريد أن نخسر السنوات القادمة أيضاً؟
هنا تصبح الصين بالنسبة لي أكثر من تجربة اقتصادية أو سياسية.
تصبح درساً في الصبر.
في أن لا تستعجل حصاداً قبل أن تزرع.
وفي أن الدولة لا تبنى بخطاب واحد، ولا بمشروع ينتهي بانتهاء المسؤول الذي أطلقه.
سبعون عاماً من العلاقات اليمنية الصينية ليست مجرد صفحة في كتاب العلاقات الخارجية. هي ذاكرة مشتركة، وفرصة لأن نسأل أنفسنا ماذا يمكن أن تكون عليه هذه العلاقة في المستقبل.
ربما نستطيع أن نبدأ من التعليم.
من تدريب الشباب.
من الجامعات والبحث العلمي.
من التكنولوجيا والطاقة.
من الموانئ والنقل.
من الزراعة.
ومن الإعلام الذي يعرف الصين بعيداً عن الصورة السطحية، ويعرف اليمن أيضاً بعيداً عن صورة الحرب.
لسنا بحاجة إلى أن نصبح الصين، ولا يمكن أصلاً أن نكون الصين.
لكن يمكن أن نتعلم كيف تنظر دولة إلى الزمن.
هذه ربما أهم هدية تقدمها لنا التجربة الصينية.
سبعون عاماً مضت.
لا نستطيع إعادتها.
لكن السنوات القادمة لم تأتِ بعد.
وهنا، في رأيي، توجد المساحة الوحيدة التي ما زالت مفتوحة أمامنا.
إما أن نبقى نحكي عن اليمن الذي كان يمكن أن يكون، أو نبدأ، ولو متأخرين، في بناء اليمن الذي يمكن أن يكون.
والتاريخ لا ينتظر أحداً.
البحر أيضاً لا ينتظر.
والشباب أقل صبراً من الاثنين.
*نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين.
عضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل
رئيس تحرير موقع صوت القضية