شبكة طريق الحرير الاخبارية/
بقلم هادي الحريزي
في الوقت الذي يواجه فيه العالم تحديات متزايدة تتراوح بين التوترات الجيوسياسية والأزمات البيئية والاقتصادية، عادت الأنظار إلى حكمة الحضارات القديمة بحثاً عن إجابات جديدة لأسئلة العصر الحديث.
وفي العاصمة اليونانية أثينا، مهد الفلسفة الغربية القديمة، انعقدت يومي 9 و10 جوان الماضي الدورة الثانية من المؤتمر العالمي للكلاسيكيات تحت شعار الحوار بين القديم والحديث: إلهامات معاصرة من الحكمة الكلاسيكية، لتجمع مفكرين وباحثين من مختلف أنحاء العالم حول دور التراث الفكري في معالجة قضايا الحاضر.
ومن بين الأصوات الفكرية التي لفتت الاهتمام خلال المؤتمر، برز الفيلسوف الكندي روجر ت. أميس، أستاذ كرسي العلوم الإنسانية في جامعة بكين، الذي قدم رؤية تقوم على تجاوز منطق الصراع بين القوى، مؤكداً أن مستقبل البشرية لا يمكن أن يُبنى على المنافسة العسكرية أو عقلية المواجهة، بل على الفهم المتبادل والحوار بين الثقافات.
وفي مقابلة أجرتها معه شبكة CGTN، تحدث أميس عن الجدل المستمر حول ما يسمى بـ«فخ ثوسيديدس»، وهي النظرية التي تشير إلى أن صعود قوة جديدة غالباً ما يقود إلى مواجهة مع القوة القائمة. ورفض أميس اعتبار هذا الصدام أمراً حتمياً، معتبراً أن هذه النظرة تعكس قراءة ضيقة للعلاقات الدولية تختزل التاريخ في موازين القوة العسكرية.
وقال إن العالم بحاجة إلى إعادة اكتشاف الدور الذي تلعبه الثقافة والفلسفة في تشكيل العلاقات بين الشعوب، مشيراً إلى أن الحضارات لا تستمر فقط بفضل قدراتها المادية، وإنما بفضل قدرتها على إنتاج المعرفة والقيم والأفكار التي تنتقل عبر الأجيال.
الثقافة والفلسفة في مواجهة منطق القوة
يرى أميس أن أحد أكبر التحديات التي يواجهها العالم اليوم هو استمرار تأثير عقليات الحرب الباردة، التي تنظر إلى العلاقات الدولية باعتبارها منافسة صفرية، حيث يؤدي تقدم طرف إلى تراجع طرف آخر.
لكنه يؤكد أن التاريخ الإنساني أكثر تعقيداً من هذه المعادلة، وأن الحضارات قادرة على التفاعل والتعلم المتبادل بدلاً من الدخول في صراعات لا تنتهي.
وأوضح أن الثقافة المزدهرة والفكر العميق يمكن أن يتفوقا على القوة العسكرية، لأن السلاح يستطيع فرض واقع مؤقت، لكنه لا يستطيع بناء تفاهم دائم بين الشعوب.
أما الفلسفة، بحسب رؤيته، فتقدم أدوات لفهم الاختلافات وإدارة التناقضات بطريقة أكثر عقلانية.
وأضاف أن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن يطرحه العالم ليس من الأقوى؟، بل كيف يمكن للحضارات المختلفة أن تتعايش وتعمل معاً لمواجهة التحديات المشتركة؟.
وفي هذا السياق، يعتبر أميس أن العودة إلى الكلاسيكيات لا تعني العودة إلى الماضي، بل البحث عن أفكار أثبتت قدرتها على تجاوز الأزمنة. فالحكمة القديمة، سواء في الفكر اليوناني أو الصيني، تحمل دروساً حول الإنسان والمجتمع والعلاقة بين الفرد والعالم.
الفلسفة الصينية ورؤية مختلفة للعالم
كرّس روجر أميس جزءاً كبيراً من حياته الأكاديمية لدراسة الفلسفة الصينية الكلاسيكية، وخاصة الفكر الكونفوشيوسي، إلى جانب مقارنته بالفلسفة الغربية.
ومن خلال هذه الرحلة الفكرية، توصل إلى أن الفلسفات المختلفة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها متنافسة، بل باعتبارها مصادر متنوعة لفهم التجربة الإنسانية.
ويرى أميس أن إحدى السمات الأساسية في الفكر الصيني التقليدي هي التركيز على العلاقات والتكامل والانسجام، بدلاً من البحث عن حقيقة واحدة مطلقة تُفرض على الجميع.
ويشير إلى أن مفهوم «الانسجام» في الثقافة الصينية لا يعني غياب الاختلاف، بل يعني القدرة على التعامل مع الاختلاف بطريقة إيجابية. فالتنوع، من وجهة نظره، ليس تهديداً يجب القضاء عليه، وإنما فرصة للتعاون والتطور.
ويقارن أميس بين هذا التصور وبين بعض الاتجاهات الفكرية التي تميل إلى تقسيم العالم إلى ثنائيات حادة، مثل الصواب والخطأ أو الانتصار والهزيمة، مؤكداً أن البشرية تحتاج اليوم إلى مقاربات أكثر شمولاً تسمح بوجود رؤى متعددة للحقيقة.
رحلة مفكر غربي نحو الشرق
تشكل تجربة روجر أميس الشخصية نموذجاً للحوار بين الحضارات الذي يدعو إليه. فقد وُلد في كندا عام 1947، وبدأ اهتمامه بالفكر والثقافة منذ سنوات دراسته الأولى، لكن نقطة التحول الكبرى في مسيرته جاءت خلال فترة قضاها في هونغ كونغ ضمن برنامج للتبادل الثقافي.
هناك، اكتشف عالماً فكرياً مختلفاً عن البيئة الفلسفية الغربية التي عرفها، وبدأ في دراسة اللغة والثقافة والفلسفة الصينية. ومن خلال تعامله مع عدد من الباحثين المتخصصين في الكونفوشيوسية، تعمق في فهم النصوص الصينية القديمة، وبدأ مشروعه الأكاديمي الذي جمع بين الفكرين الصيني والغربي.
لاحقاً، واصل أميس مسيرته الأكاديمية في جامعة هاواي، حيث عمل أستاذاً للفلسفة، قبل أن ينتقل إلى جامعة بكين، حيث يشغل اليوم منصب أستاذ كرسي العلوم الإنسانية.
وخلال مسيرته الطويلة، لم يتعامل أميس مع الفلسفة الصينية باعتبارها موضوعاً تاريخياً فقط، بل باعتبارها مصدراً للأفكار التي يمكن أن تساعد العالم المعاصر في مواجهة أزماته.
الحكمة القديمة لمواجهة تحديات العصر
في حديثه عن مستقبل البشرية، شدد أميس على أن التحديات الكبرى التي تواجه العالم اليوم لا يمكن لأي دولة أن تواجهها بمفردها. فتغير المناخ، وتدهور البيئة، ونقص الموارد، والأزمات الصحية، والصراعات الدولية، كلها قضايا تتطلب تعاوناً جماعياً يتجاوز الحدود السياسية.
ويرى أن الفلسفة الكونفوشيوسية تقدم فكرة مهمة تتمثل في أن نجاح الإنسان لا يكتمل إلا عندما يساعد الآخرين على النجاح أيضاً. فالمجتمع ليس مجموعة من الأفراد المتنافسين فقط، بل شبكة من العلاقات المتبادلة التي تؤثر في الجميع.
ومن هذا المنطلق، يؤكد أميس أن مستقبل العالم يحتاج إلى الانتقال من التفكير القائم على الهيمنة إلى التفكير القائم على المشاركة، ومن السعي إلى الانتصار على الآخر إلى البحث عن حلول مشتركة.
مؤتمر الكلاسيكيات منصة للحوار العالمي
اعتبر أميس أن انعقاد المؤتمر العالمي للكلاسيكيات في أثينا يحمل دلالة خاصة، لأن المدينة نفسها تمثل رمزاً للحوار الفلسفي والتفكير النقدي. فمثل هذه اللقاءات تتيح للحضارات المختلفة فرصة استعادة دورها الفكري بعيداً عن الخطابات السياسية الضيقة.
وأكد أن التبادل الثقافي بين الشرق والغرب لا ينبغي أن يكون مجرد نشاط أكاديمي، بل ضرورة عملية لبناء عالم أكثر استقراراً. فالكثير من الصراعات الحديثة، بحسب رأيه، تنشأ من سوء الفهم ونقص المعرفة المتبادلة بين الشعوب.
ودعا إلى تعزيز التواصل الإنساني المباشر بين مختلف المجتمعات، مشيراً إلى أن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تعتمد فقط على الحسابات السياسية، بل تحتاج أيضاً إلى روابط ثقافية وشعبية تساعد على بناء الثقة.
«أعظم قدرة للكون هي الحياة»
عند الحديث عن العبارة الفكرية الأقرب إليه، استشهد أميس بمقولة من كتاب «يي جينغ» أو «كتاب التغيرات»، أحد أهم النصوص الكلاسيكية الصينية، وهي: «أعظم قدرة للكون هي الحياة».
ويرى أن هذه العبارة تلخص جانباً أساسياً من رؤيته للفلسفة الصينية، حيث تُفهم الحياة باعتبارها عملية مستمرة من التحول والنمو والتجدد، وليس حالة ثابتة أو صراعاً للوصول إلى نهاية محددة.
وبالنسبة لأميس، فإن الحكمة الحقيقية للحضارات القديمة تكمن في قدرتها على مساعدة الإنسان في فهم نفسه وعلاقته بالآخرين وبالعالم من حوله. ولذلك فإن دراسة الكلاسيكيات ليست مجرد اهتمام بالماضي، بل وسيلة للتفكير في المستقبل.
وفي ختام رؤيته، يؤكد الفيلسوف أن البشرية أمام خيارين: إما الاستمرار في منطق المنافسة والصراع، أو بناء طريق جديد يقوم على الحوار والتفاهم. ومن وجهة نظره، فإن الفلسفة والثقافة تملكان القدرة على فتح هذا الطريق، لأنهما تخاطبان الإنسان قبل الدولة، والعقل قبل القوة، والمستقبل قبل الماضي.