شبكة طريق الحرير الاخبارية/
بقلم إلفين سلطانوف
الباحث في معهد الاستشراق التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم في أذربيجان
بعد ثورة فبراير سنة 1918م، تعززت رغبة الشعوب المقيمة في أراضي روسيا القيصرية في الحرية والاستقلال، فبدأت الشعوب المختلفة بتشكيل الكيان السياسي والدولة الوطنية في فترة التوجه نحو سقوط الإمبراطورية. في البداية، كانت شعوب جنوب القوقاز ممثلة في إطار كيان سياسي موحد في تلك المرحلة التاريخية المعقدة.
دافع الممثلون الأذربيجانيون، ضمن كتلة سياسية مسلمة تضم أربعة وأربعين عضوًا، عن مصلحة الشعب، ومثلوا الشعب في اللجنة الخاصة بما وراء القوقاز ومفوضية ما وراء القوقاز وسَيْمُ مَا وَرَاءَ القَوْقَاز )وهو برلمان إقليمي عابر للقوميات( خلال مدة بلغت خمسة عشر شهرًا. لكن، تطور الأحداث السياسية واختلاف المصالح الوطنية في الأرض، كانت نتيجته ضعف المساعي والجهود المبذولة، وبالتالي لم يتحقق عمل الشعوب في إطار كيان سياسي موحد في جنوب القوقاز؛ حيث اختار كل شعب طريقه السياسي المستقل بعد انحلال سَيْمُ مَا وَرَاءَ القَوْقَازِ.
وفي ظل هذا الظروف التاريخية، أنشئت كتلة سياسية مسلمة تضم أربعة وأربعين عضوًا من المجلس الوطني الأذربيجاني الذي يمثل أذربيجان، في السابع والعشرين من مايو سنة 1918م، وقد أوكلت رئاسته إلى محمد أمين رسولزاده، وقد كانت هذه الخطوة بداية مرحلة جديدة في تاريخ دولة شعب أذربيجان، ودخلت التاريخ كإحدى أهم الخطوات في طريق الاستقلال.
في الثامن والعشرين من مايو سنة 1918م، وفي تفليس، أعلن عن تأسيس جمهورية أذربيجان الديمقراطية في اجتماع تاريخي معقد للمجلس الوطني الأذربيجاني برئاسة حسن بيك آغاييف، وتم اعتماد إعلان الاستقلال. وبذلك أعلن الشعب الأذربيجاني أمام العالم كله قيام دولته المستقلة. يتكون إعلان الاستقلال المعتمد من ست مواد، وقد ذكر كل من أستاذ التاريخ عدالت طاهرزاده ودكتور فلسفة التاريخ دلقم أحمد هذه المواد خاصة في مقالة تاريخية باسم «جمهورية أذربيجان الديمقراطية». ونحن نقدم تلك المواد للقراء هنا، وهي كالتالي:
1- اعتبارا من هذا اليوم، يمتلك الشعب الأذربيجاني حق السلطة، وتعتبر أذربيجان دولة مستقلة كاملة الحقوق تتكون من جنوب شرق ما وراء القوقاز.
2- يحدد شكل الحكم في دولة أذربيجان المستقلة بأنه جمهورية شعبية.
3- تعزم جمهورية أذربيجان الديمقراطية على إقامة علاقات حسنة مع الشعوب والدول، وخصوصا تلك المجاورة لها.
4- تضمن جمهورية أذربيجان الديمقراطية الحقوق القانونية والمدنية لجميع المواطنين في إقليمها، دون التفريق بين القوم والمذهب والطبقة والجنس.
5- تفتح جمهورية أذربيجان الديمقراطية مجالا واسعا لجميع الشعوب الساكنة في إقليمها للتطور الحر.
6- إلى أن ينعقد مجلس المؤسسين، تقوم على رأس كل إدارة أذربيجان المجلس الوطني المنتخب بالانتخاب العام، وتكون حكومة مؤقتة مسؤولة عنه.
إعلان الاستقلال
من مضمون إعلان الاستقلال يظهر بوضوح أن جمهورية أذربيجان الديمقراطية كانت أول جمهورية برلمانية وديمقراطية في الشرق الإسلامي. وقد اعتبرت الجمهورية الحريات وحقوق الإنسان أحد المبادئ الأساسية، وأولت أهمية خاصة لتشكيل نموذج الحكم الديمقراطي.
كان منح النساء حق الانتخاب والترشح أحد الإصلاحات المهمة التي نفذتها الحكومة حديثة التأسيس، وبذلك دخلت جمهورية أذربيجان الديمقراطية التاريخ بوصفها أول دولة في الشرق الإسلامي منحت النساء حقوقا سياسية.
كانت الأحداث السياسية التي حدثت في بلاد القوقاز عامة، وفي جمهورية أذربيجان الديمقراطية خاصة، موضوع اهتمام الصحافة العربية في تلك السنوات. ويمكن رؤية صدى تلك المجريات في جريدة الأهرام في العدد المنشور في مصر في تلك المدة.
تفيد وكالة أنباء أذربيجان (أزرتاج) بأن العدد الصادر من جريدة الأهرام في السابع والعشرين من يوليو سنة 1919م، فيه مقالة بعنوان «حكومة أذربيجان؛ وفدها في باريس يطلب الاستقلال»، وهذه المقالة تقدم معلومات عن أعضاء الوفد ووضع البلاد وأراضيها. ننقل لكم تلك الفقرة من الجريدة هنا:
” تشمل هذه البلاد الجنوب الشرقي من القفقاس فتدخل أقاليم باكو واليصابتبول وشوشه أو قاراباغ (قره باغ). وعاصمتها مدينة باكو. وعدد سكانها أربعة ملايين معظمهم من التتار والشيعيين. وفيها الآن مجلس نيابي جميع اعضائه منتخبون انتخابا. وللنساء حق الاشتراك في الانتخاب. وعدد النواب 120 نائبا، منهم 80 من المسلمين و22من الأرمن و10 من الروس و8 من طوائف أخرى. ورئيس هذا المجلس علي مردان بك طوبجيباتشف وهو من أعضاء مجلس الدوما الروسي الاول ومن الصحافيين المعروفين في روسيا. وهو في الوقت نفسه رئيس الحكومة المؤقتة ورئيس الوفد الموجود الآن في باريس.
وحكومة أذربيجان معادية للبولشفيك لأنهم فتكوا بثمانية آلاف من المسلمين في تلك البلاد وحرقوا ونهبوا فيها قرى ومزارع كثيرة. وهي ظاهرة الميل إلى الدول الأوروبية وقد شرعت في نشر اللغة الفرنسوية في انحاء البلاد وترجو عقد علاقات تجارية واقتصادية مع اوربا. وهي تعيش بين جيرانها بأمان وسلام. وتطلب من المؤتمر الاعتراف باستقلالها. والمنظور اما أن يعترف لها بذلك الاستقلال واما أن تكون بلادا مستقلة استقلالا اداريا وداخلة في نظام الاتحاد القفقاسي.
وقد ارسلت حكومة أذربيجان وفدا إلى مؤتمر الصلح يعرض أماني الشعب ويسعى إلى تحقيقها وهذا الوفد مؤلف من ستة أشخاص يظهر الأصل العربي في أسمائهم وان كانت تلك الأسماء مجموعة بصيغة روسية وهم:
علي مردان بك طوبجيباتشف، رئيس مجلس الأمة المتقدم ذكره، ومحمد حسن بك حاجنسكي، وزير المراقبة، وأكبر آغا شيخ اسلاموف، العضو في المجلس ومير يعقوب مهدييف، من أعضاء المجلس أيضًا ومحمد محرموف، وهو كذلك من أعضاء المجلس وجيهون بك حاجينيكوف، مستشار الوفد. وقد تلقى هذا الأخير دروسه في باريس. وهو يصدر في باكو جريدة تترية اسمها “أذربيجان”. وقد استصحب الوفد معه، من يلزم من الكتبة والمترجمين والفنيين، وهو يرجو تحقيق اماني الأمة التي يحملها إلى المؤتمر لا سيما وأن الحكومة المؤقتة المؤلفة في البلاد قد دلت على روح دستورية تؤهلها لحكم ذاتها بذاتها.”
في عدد جريدة الأهرام الصادر بتاريخ 27 يوليو سنة 1919م بعنوان: “حكومة أذربيجان؛ وفدها في باريس يطلب الاستقلال”
كان مصطلح “التتار” المذكور في النص تسمية رسمية تطلق على عدد من الشعوب المسلمة، بما فيها الأتراك الأذربيجانيون، في مدة حكم روسيا القيصرية. كانت السلطة القيصرية تطلق أسماء مختلفة على الشعوب المقيمة في أراضي الإمبراطورية بهدف إضعاف هويتها، وكانت مع إضعاف الهوية تغير الأسماء الجغرافية في الوقت نفسه، ومدينة اليصابتبول المذكورة في المقالة هي نموذج لذلك، فهذه أصلا مدينة غنجة التي تم تغيير اسمها بعد احتلالها من قبل روسيا في سنة 1804م. وقد أعيد الاسم التاريخي للمدينة بقرار حكومة جمهورية أذربيجان الديمقراطية في الثالث والثلاثين من يوليو سنة 1918م.
قام الوفد الأذربيجاني المرسل إلى مؤتمر صلح باريس بدور مهم في اتجاه اعتراف المجتمع الدولي. كما ذكر في المقالة التاريخية بعنوان “جمهورية أذربيجان”؛ حيث اعترف المجلس الأعلى لمؤتمر صلح باريس بأن جمهورية أذربيجان الديمقراطية أمر واقع، في الحادي عشر من يناير سنة 1920م. كانت هذه الجمهورية الفتية نجاحا مهما في نظام العلاقات الدولية. في تلك الفترة، وكانت أراضي أذربيجان المعترف بها أوسع من حدود جمهورية أذربيجان الحالية، وكانت منطقة زنكزور تدخل في تركيبها.
خريطة أذربيجان المقدَّمة إلى مؤتمر الصلح في باريس
على الرغم من أن جمهورية أذربيجان الديمقراطية لم تستمر إلا ثلاثة وعشرين شهرا، إلا أنها تركت أثرا لا يمحى في تاريخ الدولة الوطنية، وشكلت الأساس السياسي والقانوني للدولة الأذربيجانية الحديثة. وتعتبر جمهورية أذربيجان المستقلة اليوم نفسها الوارث السياسي والقانوني لجمهورية أذربيجان الديمقراطية، ويتجلى هذا المبدأ في دستور دولة أذربيجان وفي ميثاق الاستقلال الدولي، وخاصة في مقدمة الدستور.