حلم التحديث الصيني الأفريقي.. الفن يجمع الشباب والأطفال في بكين لبناء جسور الصداقة
بقلم: هادي الحريزي-صحفي تونسي
حين تعجز الكلمات أحيانًا عن عبور الحدود، تتولى الألوان والريشات مهمة بناء الجسور. وفي بكين، حيث تتقاطع الثقافة والفن والدبلوماسية الشعبية، يتحول الرسم إلى لغة مشتركة بين أجيال شابة من الصين وأفريقيا، حاملةً معها أحلامًا تتجاوز اختلاف اللغات والتقاليد، وتلتقي عند طموح واحد: بناء مستقبل أكثر تعاونًا وتفاهمًا.
وفي هذا السياق، احتضن النصب التذكاري للألفية الصينية في بكين، يوم 11 أوت، حفل توزيع جوائز وافتتاح معرضي 2026 «عالم متعدد الألوان» للرسم للشباب والأطفال الصينيين والأفارقة و«طموح الشباب» للفنون التشكيلية للشباب في بكين، في فعالية جمعت الفن بالشباب والدبلوماسية الشعبية، وجعلت من الإبداع مساحة رحبة للحوار بين الصين وأفريقيا.
ويأتي تنظيم الحدثين في إطار تنفيذ مخرجات قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني الأفريقي، والدعوة إلى مواصلة الشباب الصيني والأفريقي للصداقة التقليدية، والعمل معًا لدفع مسيرة التحديث الصيني الأفريقي، بما يعكس الدور المتنامي للتبادل الإنساني والثقافي في ترسيخ العلاقات بين شعوب الجانبين. وتحت إشراف جمعية الشعب الصيني للصداقة مع البلدان الأجنبية، نظمت جمعية بكين للصداقة مع البلدان الأجنبية، بالتعاون مع لجنة بكين لحزب الشبيبة الشيوعية الصينية، والمكتب الإعلامي لحكومة بلدية بكين، واتحاد بكين للأدب والفنون، فعاليات المعرضين بمشاركة واسعة من المؤسسات والشباب والأطفال الصينيين والأفارقة.

70 عامًا من العلاقات.. وشباب يرسمون المستقبل//
يحمل عام 2026 أهمية خاصة في مسار العلاقات الصينية الأفريقية، إذ يصادف الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وأفريقيا، كما يمثل «عام التبادلات الإنسانية والثقافية الصينية الأفريقية»، وفق ما اتفق عليه الرئيس الصيني شي جين بينغ وقادة الدول الأفريقية. وفي كلمته خلال حفل الافتتاح، أكد نائب رئيس جمعية الشعب الصيني للصداقة مع البلدان الأجنبية، لو شيانغ دونغ، أن مختلف الأوساط في الصين وأفريقيا نظمت بالفعل أكثر من 700 فعالية متنوعة للتبادل الإنساني والثقافي، مشيرًا إلى أن معرض الرسم يضيف «لمسة شبابية زاهية» إلى فعاليات هذا العام.
ودعا إلى تقدير الصداقة التقليدية بين الصين وأفريقيا وترسيخ أسس التواصل بين الشعبين، وتعميق التعاون العملي، وتوحيد الرؤى بشأن بناء مسار التحديث بشكل مشترك، وتعزيز التواصل بين الشباب وكتابة فصل جديد في التعاون الصيني الأفريقي. أما سفير موريشيوس لدى الصين، شياو شياوشان، فأعرب عن تهانيه بنجاح المعرض، مشيرًا إلى فوز 23 شابًا من رسامي موريشيوس بجوائز، وهو ما يمثل مناسبة جديرة بالاحتفاء بالنسبة إلى دولة جزرية مثل موريشيوس. وأكد أن الفن يمثل أحد أجمل أشكال التعبير، لأنه قادر على تجاوز اختلاف التاريخ والتقاليد واللغات وإقامة جسور التواصل بين الشعوب. وقال إن الأمل معقود على أن يسهم المعرض في تحفيز المزيد من التبادل بين الصين وأفريقيا، وأن يواصل الفنانون الشباب الإمساك بفرشاتهم، ليس فقط لرسم لوحات جميلة، بل أيضًا لرسم ملامح مستقبل يسوده السلام والتفاهم والازدهار المشترك.

عالم متعدد الألوان.. آلاف اللوحات تحكي قصة الصداقة//
يحمل معرض الرسم شعارًا لافتًا: «نبني معًا حلم التحديث الصيني الأفريقي»، وهو شعار وجد طريقه إلى اللوحات قبل أن يصل إلى الكلمات. ومنذ إطلاق المعرض في مايو الماضي، جُمعت 3364 لوحة من الشباب والأطفال في 31 دولة أفريقية، إلى جانب مشاركات من 27 مقاطعة ومدينة ومنطقة ذاتية الحكم في الصين. وتناولت الأعمال موضوعات متعددة، من بينها الصداقة الصينية الأفريقية، والتفاعل بين الحضارات، والابتكار التكنولوجي، وأحلام الشباب، إلى جانب استعادة ذكريات الصداقة الممتدة بين الصين وأفريقيا، وتصورات فنية عن المستقبل الذي يمكن أن يجمع شعوب الجانبين.
وبعد تقييم الخبراء والمراجعة النهائية من لجنة التنظيم، وقع الاختيار على 172 عملًا فائزًا للشباب والأطفال الأفارقة و853 عملًا فائزًا للشباب والأطفال الصينيين، إضافة إلى 47 عملًا تأهلت للمشاركة في معرض «طموح الشباب» للفنون التشكيلية للشباب في بكين. كما جرى تكريم 28 مؤسسة باعتبارها مؤسسات تنظيم متميزة، تقديرًا لمشاركتها الفاعلة في إنجاح الحدث، ومن بينها السفارات الأفريقية لدى الصين والمنظمات الصديقة وجمعيات الصينيين المغتربين والجاليات الصينية وجمعيات الصداقة في مختلف المقاطعات والمدن الصينية، إلى جانب المدارس والمؤسسات الفنية. وخلال مراسم توزيع الجوائز، أعلن الضيوف الصينيون والأفارقة قائمة الفائزين، وسلموا الشهادات إلى ممثلي الشباب والأطفال الفائزين، فضلًا عن ممثلي المؤسسات الحاصلة على جوائز التنظيم.

من الفرشاة إلى المسرح..
أفريقيا تحضر في قلب بكين//
لم تقتصر الفعالية على الرسم وحده، بل امتدت إلى الموسيقى والرقص، لتتحول قاعة الاحتفال إلى فضاء نابض بالتنوع الثقافي الأفريقي. فقد قدم أفارقة مقيمون في بكين وطلاب أفارقة عروضًا راقصة وغنائية ذات طابع أفريقي، افتتحت برقصة Ngira Nivuge الشعبية البوروندية، التي استحضرت أجواء الاحتفال بالحصاد من خلال الغناء والحركة. كما قدم طلاب أفارقة في جامعة بكين الثانية للغات والثقافة الأجنبية رقصة مزيج أفريقيا، التي عكست بحركاتها الحيوية الطاقة المتدفقة في القارة الأفريقية. وتواصلت العروض مع أغنية أفريقية كلاسيكية بعنوان “رافقني في التحليق عاليًا” ، التي عبرت عن تطلع الشباب إلى الأحلام والآفاق البعيدة. كما اعتلت ماريا، مؤسسة جمعية الصداقة الصينية في سيراليون وسفيرة الثقافة الأفريقية المعروفة بلقب اللؤلؤة السوداء، المنصة لتقدم أغنية “أحب بكين وأحب أفريقيا” ، ناقلة بصوتها رسالة صداقة تتوارثها الأجيال بين الصين وأفريقيا.
«طموح الشباب».. الفن التشكيلي يفتح نافذة على المستقبل//
وبالتوازي مع «عالم متعدد الألوان»، يقدم معرض «طموح الشباب» للفنون التشكيلية للشباب في بكين مساحة أخرى للتعبير الفني، تجمع تجارب الشباب وتنوع الوسائط والمدارس الفنية. ويضم المعرضان معًا قرابة 1200 عمل فني متميز، موزعة على منطقتين رئيسيتين، بما يمنح الزائر فرصة لاكتشاف عالم فني واسع يجمع بين براءة الطفولة ونضج التجربة الشبابية.
وتبرز في أعمال الأطفال والناشئين الألوان المائية والزيتية وأقلام الشمع والحبر الصيني وغيرها من الوسائط ذات الألوان الحيوية والمشرقة، لتقدم لوحات تعكس براءة الطفولة وخيالها وتطلعاتها إلى المستقبل. أما أعمال الشباب، فتتنوع بين الرسم الصيني التقليدي والرسم الزيتي والطباعة الفنية والنحت والفن الرقمي، بما يعكس تعدد الرؤى والأساليب الفنية وقدرة الجيل الجديد على التعبير عن واقعه وأسئلته وتطلعاته. وهكذا تتحول القاعة إلى مساحة تتجاور فيها الثقافات والأعمار والتقنيات، وتلتقي فيها فرشاة طفل أفريقي بخطوط فنان صيني شاب، في مشهد يبدو فيه الفن وكأنه يكتب بلغته الخاصة إعلانًا جديدًا للصداقة.

أكثر من 150 مشاركًا.. احتفاء رسمي وشعبي بالفن//
شهد حفل الافتتاح حضورًا رسميًا وثقافيًا واسعًا، بمشاركة سفير موريشيوس لدى الصين، ومسؤولين من جمعية الشعب الصيني للصداقة مع البلدان الأجنبية، وممثلين عن الجهات المنظمة والمشاركة والداعمة، إلى جانب الشباب والأطفال الصينيين والأفارقة الفائزين، وممثلي المؤسسات الأعضاء في جمعية بكين للصداقة مع البلدان الأجنبية، وعدد من الأفارقة المقيمين في بكين. وتجاوز عدد الحاضرين 150 شخصًا، في مشهد عكس اتساع دائرة الاهتمام بالتبادل الثقافي والفني بين الصين وأفريقيا.
وقال وانغ يو، أمين لجنة الحزب لجمعية بكين للصداقة مع البلدان الأجنبية ونائب رئيسها التنفيذي، إن معرض عالم متعدد الألوان يمثل مبادرة مهمة للجمعية في إطار عام التبادلات الإنسانية والثقافية الصينية الأفريقية، ودفعًا نشطًا لمبادرة الشراكة الصينية الأفريقية للتبادل الإنساني والثقافي. وأضاف أن المعرض يمثل خطوة مهمة لبناء جسور الصداقة بين الشباب وإعداد جيل جديد يواصل مسيرة الصداقة الصينية الأفريقية، مشيرًا إلى أن الفنانين الشباب من الصين وأفريقيا استخدموا لغة الفن للتعبير عن أفكار الجيل الجديد ومسؤوليته تجاه العصر. وأعرب عن تطلعه إلى أن يرسم الشباب بأعمالهم صورة مشرقة للتحديث الصيني الأفريقي، وينشروا مفهوم الصداقة، ويكتبوا من خلال التبادل الفني صفحة جديدة من الصداقة الشعبية بين الصين وأفريقيا.
















