شبكة طريق الحرير الإخبارية/
شراكة 2026: قراءة تحليليّة في مضامين الحوار التلفزيوني مع السفير الصيني في الجزائر
عبد القادر خليل*
يعكس الحوار الذي أجراه التلفزيون العمومي الجزائري مع السفير الصيني، السيد “دونغ قوانغلي”، ضمن برنامج رواق الدبلوماسية، متانة العلاقات بين الجزائر وبكين، وينقلها من حيز “التعاون التقليدي” إلى مربع الشراكة الاستراتيجية الشاملة والبراغماتية. ويحمل الحوار الكثير من المؤشرات السياسية والاقتصادية المهمة، خاصة وأنه يأتي في توقيت استراتيجي لافت (عام 2026) يشهد تحولات هيكلية في الاقتصاد الجزائري وسياسة الصين الخارجية.
ويمكن تفكيك مضمون هذا الحوار عبر أربعة محاور أساسية:
- الانتقال الاقتصادي: من البنية التحتية إلى التكنولوجيا والطاقة البديلة
رغم أن الصين تعمل في الجزائر منذ عقود بشكل لافت في قطاع الإنشاءات، إلا أن السفير ركز على طفرة نوعية جديدة تتماشى مع خطة الجزائر التنموية لتنويع اقتصادها:
- المشاريع الكبرى: دخول خط سكة حديد غار جبيلات (منجم الغرب الجزائري) الخدمة مطلع عام 2026، والذي وصفه السفير بـ “مسرّع التحول الاقتصادي”.
- الرقمنة: الإعلان عن قرب تدشين “المركز الوطني للخدمات الرقمية” كخطوة لدعم التحول الرقمي الجزائري، بعد إطلاق شبكة الجيل الخامس (5G) في ديسمبر الماضي.
- الطاقة المتجددة والسيارات: توسع الاستثمارات الصينية (التي ناهزت 7 مليارات دولار) في قطاع الطاقة الشمسية (مثل محطة بسكرة 220 ميجاوات)، وصناعة السيارات محلياً لشغل وسم “صُنع في الجزائر”.
- سياسة “صفر جمارك”: بوابة الجزائر نحو السوق الآسيوية
تكمن الأهمية الكبرى لتصريحات السفير في الإشارة إلى بدء تطبيق الصين سياسة الإعفاء الجمركي الشامل (صفر رسوم) منذ أول مايو 2026 لـ 53 دولة إفريقية، ومنها الجزائر.
تُُمثل هذه الخطوة فرصة ذهبية للمنتجات الجزائرية خارج المحروقات (كالتمور، زيت الزيتون، والحمضيات) لدخول أضخم سوق استهلاكي في العالم، فضلاً عن تعزيز موقع الجزائر كـ “جسر استراتيجي” يربط الاستثمارات الصينية بإفريقيا وأوروبا.
- التطابق الدبلوماسي وإدارة التوازنات الدولية الكبرى
أظهر الحوار ثقلاً جيو-سياسياً لافتاً من خلال تناغم المواقف في ثلاثة ملفات رئيسية:
- أولاً: تقييم الدبلوماسية الجزائرية: وصف السفير الجزائر بأنها قوة مهمة للدفاع عن مصالح “الجنوب العالمي” وبناء نظام دولي أكثر عدالة، مستشهداً بنجاحها مؤخراً في تقلد مناصب دولية رفيعة عام 2026 (نيابة رئيس لجنة صون التراث باليونسكو، نيابة رئيس مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ورئاسة البرلمان الإفريقي). مع تأكيد التوافق الصيني الجزائري ضد الأحادية وسياسة النفوذ.
- ثانياً: تداعيات ومبادرات أزمة الشرق الأوسط: حذر السفير من العواقب الاقتصادية العبثية للصراع على سلاسل الإمداد والطاقة العالمية. واستعرض الجهود الصينية لإحلال السلام عبر 4 مقترحات للرئيس “شي جين بينغ”، والمبادرة المشتركة مع باكستان (5 نقاط)، إلى جانب الحراك الدبلوماسي لوزير الخارجية “وانغ يي” بـ 30 اجتماعاً واتصالاً شملت الأطراف الفاعلة. معرباً عن استعداد بكين للعمل مع الجزائر لدعم المحادثات (خاصة بين أمريكا وإيران).
- ثالثاً: الصين كمحور للدبلوماسية العالمية (زيارتي ترامب وبوتين): حلل السفير استقبال بكين لرئيسي أمريكا وروسيا خلال أسبوع واحد باعتباره اعترافاً بـ “دبلوماسية الدولة الكبرى ذات الخصائص الصينية”.
- العلاقات الصينية-الأمريكية: تمثل زيارة ترامب (الأولى لرئيس أمريكي منذ 9 سنوات) تدشيناً لمفهوم “الاستقرار الاستراتيجي البنّاء“ القائم على: التعاون الإيجابي، تأطير التنافس، السيطرة على الخلافات، واستدامة السلام.
- العلاقات الصينية-الروسية: جاءت زيارة بوتين الـ 25 لتوجيه الشراكة نحو “نقطة انطلاق جديدة” أسفرت عن 20 اتفاقية حيوية وإعلان مشترك لتعزيز “العالم متعدد الأقطاب”.
- القوة الناعمة والدبلوماسية الإنسانية
لم يغفل الحوار الجوانب التاريخية والإنسانية التي تمنح الشراكة أبعاداً شعبية وثقافية مستدامة:
- الإرث التاريخي ومبدأ الصين الواحدة: ذكّر السفير بالدور التاريخي للجزائر عام 1971 في صياغة القرار رقم 2758 الذي استعادت به الصين مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة، وثبّت مبدأ “الصين الواحدة”، مجدداً شكر بكين للموقف الجزائري الثابت، وتطلّع الشعب الصيني لاستعادة تايوان وتحقيق الوحدة الكاملة حتماً.
- الروابط الإنسانية والثقافية: تجلت المؤشرات في تدفق السياح الصينيين إلى الجزائر (قرابة 30 ألف سياح في 2025)، واستمرار عمل البعثات الطبية الصينية (التي بلغت البعثة الـ 29)، إلى جانب نشاط معاهد “كونفوشيوس” لتعليم اللغة الصينية، والفعاليات الثقافية كمسابقات الشعر ومسابقة جسر اللغة الصينية العالمية ومسابقة كأس السفير.
الخلاصة:
يبعث الحوار برسالة واضحة مفادها أن العلاقات الجزائرية الصينية قوية وراسخة، تشهد “العصر الذهبي” لنموها؛ فالصين لا ترى في الجزائر مجرد سوق تجاري، بل شريكاً جيو-سياسياً واقتصادياً أساسياً في شمال إفريقيا، قادراً على صياغة نموذج “تنمية مستقل” بعيداً عن القوالب الغربية الجاهزة. وتؤكد هذه القراءة التوافق المطلق مع أدبيات الدبلوماسية الصينية المعاصرة والتوجهات الاستراتيجية المتبناة مع بداية الخطة الخمسية الجديدة عام 2026.
*عبد القادر خليل: رئيس تحرير شبكة طريق الحرير الإخبارية، عضو مجلس الإدارة في الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل، رئيس الفرع الجزائري للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحُلَفَاء الصين.