شبكة طريق الحرير الاخبارية/
الأستاذة الدكتورة خديجة عللي*
باحثة ومتخصصة في الدراسات العربية الصينية، التبادل الثقافي والترجمة
لم يعد رصد التحولات العميقة داخل جمهورية الصين الشعبية ترفاً أكاديمياً يقتصر على تتبع أرقام النمو الاقتصادي، بل غدا ضرورة استراتيجية ملحة لتفكيك طلاسم التحول في بنية النظام الدولي المعاصر. وفي قلب هذا التحول الاستثنائي، يبرز «فكر شي جين بينغ بشأن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد» ليس فقط كبوصلة توجه حركة التنين الصيني داخلياً، بل كمنظومة فكرية وفلسفية متكاملة تقدم أطروحات بديلة لصياغة العلاقات الدولية وحوكمة الاقتصاد العالمي.
الهندسة الداخلية: التحديث صيني النمط وإعادة تعريف الحداثة
يمثل فكر الرئيس شي جين بينغ قفزة نوعية في الأيديولوجيا السياسية للصين، إذ يمزج ببراعة بين الأدوات التحليلية للماركسية اللينينية وبين الإرث الفلسفي الممتد للكونفوشيوسية التقليدية. ومنذ تبني هذا الفكر رسمياً كمرجعية دستورية للحزب والدولة، قاد الرئيس شي عملية إعادة هيكلة شاملة للمجتمع والاقتصاد تحت مفهوم “التحديث صيني النمط”.
هذا المفهوم يكسر احتكار الغرب التاريخي لمفهوم “الحداثة”، مبرهناً على أن التقدم الصناعي والتكنولوجي لا يشترط بالضرورة استنساخ النموذج الليبرالي الغربي. ويرتكز هذا النهج داخلياً على ركيزتين أساسيتين؛ الأولى هي “الرخاء المشترك” الذي يهدف إلى تقليص الفجوات الطبقية والتنموية بين الريف والحضر والانتقال إلى التنمية عالية الجودة، والثانية هي “الحضارة الإيكولوجية” وهي رؤية مبتكرة تدمج التطور الصناعي بحماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة. إن الغاية القصوى لهذه الصيرورة الفكرية هي تحقيق “الحلم الصيني” المتمثل في النهضة العظيمة للأمة الصينية واستعادة مكانتها التاريخية كقوة عظمى ومستقرة.
العقيدة الدبلوماسية: من الانكفاء إلى هندسة المشهد العالمي
على الصعيد الخارجي، أحدث فكر شي جين بينغ تحولاً جذرياً في العقيدة الدبلوماسية لبكين. فبعد عقود من الالتزام باستراتيجية الانكفاء وتأمين الوقت، انتقلت الصين في عهد الرئيس شي إلى مربع “الدبلوماسية المبادرِة ذات الخصائص الصينية”، متطلعة للعب دور القوة العظمى المسؤولة في حماية الاستقرار العالمي.
وتتمحور هذه الرؤية حول مفهوم “بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية”، وهو بديل فلسفي صيني يرفض نظرية صراع الحضارات وعقلية المباراة صفرية النتيجة. ولترجمة هذا الفكر إلى واقع ملموس، أطلقت بكين حزمة من المبادرات الشاملة التي باتت تشكل العصب الجيوسياسي والاقتصادي للعالم؛ وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق كأكبر مشروع بنية تحتية وتكامل اقتصادي عبر القارات، إلى جانب “مبادرة التنمية العالمية”، و”مبادرة الأمن العالمي” القائمة على رفض الأحلاف العسكرية الضيقة، و”مبادرة الحضارة العالمية” التي تدعو إلى تعزيز الحوار وتثمين التنوع الثقافي في مواجهة مساعي الهيمنة.
الفضاء العربي الصيني: الشراكة الاستراتيجية وحوار الشرق الشامل
من موقعنا كمتخصصين في الدراسات العربية الصينية، نلاحظ أن العالم العربي يمثل ساحة تطبيقية ومثالية لنجاعة فكر شي جين بينغ الخارجي. فالصين لا تقارب منطقة الشرق الأوسط من منظور أمني تقليدي أو كمنطقة نفوذ لملء الفراغ، بل كشريك حضاري واستراتيجي أساسي في صياغة طريق الحرير الجديد وبناء عهد جديد من العلاقات العربية الصينية القائمة على المصالح المتبادلة.
وقد تجلت هذه المقاربة عملياً في قمم الرياض التاريخية، وتوسيع مجموعة “بريكس” لتضم دولاً عربية وازنة، فضلاً عن الاختراق الدبلوماسي المتمثل في الرعاية الصينية للمصالحات الإقليمية ودعم القضايا العربية العادلة. إن هذا الفكر يقدم للعالم العربي شريكاً دولياً يحترم “الخصوصية الوطنية” للدول، ويرفض التدخل في الشؤون الداخلية، ويطرح نموذجاً للتعاون التنموي القائم على صيغة “الكسب المشترك للجميع”، مما يثبت أن التقدم لا يشترط التغريب أو التخلي عن الهوية الثقافية الأصيلة.
إن فكر شي جين بينغ ليس مجرد أدبيات حزبية داخلية، بل هو مشروع أيديولوجي وحضاري متكامل يعيد هندسة التوازنات العالمية بهدوء وثبات. وفي ظل نظام دولي يمر بمرحلة مخاض عسير، فإن تعميق دراسة هذا الفكر يمنح صانع القرار والباحث العربي على حد سواء أدوات دقيقة لفهم لغة بكين، وبناء جسور شراكة متكافئة تسهم في ولادة عالم متعدد الأقطاب، يكون أكثر توازناً وعدالة.