شبكة طريق الحرير الإخبارية/
بقلم/ نجيب الكمالي*
كم مواطن وقف أمام شباك مغلق، أو تنقّل بين مكاتب عدة حاملًا الملف نفسه، دون أن يعرف من يملك الحل؟
قرأت ما كتبته الزميلة الصينية تشيان شي عن الخط الساخن 12345 في بكين، فتوقفت عند الفكرة لا عند الرقم: ماذا يحدث عندما تقترب الإدارة من تفاصيل حياة الناس، بدل أن تنتظر تراكم المشكلات؟
السؤال يهمني بحكم عملي الإعلامي، إذ أقترب من قضايا الناس: معاملة تأخرت، خدمة تعثرت، مواطن لا يعرف إلى من يتوجه. وأحيانًا تكون المشكلة بسيطة، لكن الوصول إلى الجهة القادرة على حلها هو الأصعب.
في بكين، الفكرة ليست مجرد اتصال؛ ملاحظات السكان تُجمع وتُصنف وتُحال إلى الجهات المختصة، ثم تُتابع نتائجها. ومع تكرار المشكلات، تكتشف الإدارة خللًا أوسع. فإذا تكررت المشكلة عشرات المرات، فلماذا نعالج كل حالة منفردة بدل البحث عن أصل الخلل؟
هنا يتحول ما يأتي من الناس إلى أولوية إدارية، لا إلى ملف يُغلق. وفي مدينة يتجاوز سكانها 21 مليون نسمة، تصبح معرفة التفاصيل اليومية أمرًا بالغ الأهمية.
وجدت في التجربة معنى للحوكمة: أن تعرف المؤسسة ما يحدث، وتحدد المسؤولية، وتتابع، ثم تتعلم من النتائج. ومن هذا المنظور، أفهم جانبًا من الفكر الشيوعي الصيني الذي يضع الإنسان وتحسين ظروف حياته في قلب أهداف التنمية. ولا يمكن اختزال الصين في تجربة واحدة، لكن اللافت هو تحويل الاستماع إلى الناس إلى ممارسة إدارية قابلة للتطوير.
كما دخل الذكاء الاصطناعي في تفريغ الاتصالات وتصنيفها وتوجيهها وتحليل البيانات. لكن التقنية لا تتحمل المسؤولية بدل الإنسان؛ فهي قد تكشف تكرار المشكلة، لكنها لا تقرر وحدها من يتحرك ومتى، ولا من يتحمل مسؤولية عدم المعالجة. لذلك تبقى التكنولوجيا أداة للحوكمة، لا بديلًا عنها.
وامتد الاهتمام إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين وصول ذوي الإعاقة إلى الخدمة. وهذه تفاصيل مهمة، لأنها تؤكد أن الإدارة الجيدة لا تكتفي بوجود الخدمة، بل تسأل: هل يستطيع الجميع الوصول إليها؟
وهنا أخذتني الفكرة إلى واقعنا العربي، وإلى اليمن تحديدًا. لدينا تعدد في الجهات، وتداخل في المسؤوليات، وصعوبة في الوصول إلى المعلومة، وتأخر في بعض المعاملات. وغالبًا لا تكمن المشكلة في غياب الجهة، بل في غموض الطريق إليها.
ومن واقع متابعتي الإعلامية، أعرف أن من يروي قصته أو يلجأ إلى الإعلام لا يبحث غالبًا عن معجزة، بل يريد أن يعرف: من يسمعني؟ ومن يستطيع مساعدتي؟
لذلك لا أرى أن المطلوب عربيًا نسخ تجربة بكين. فما يصلح هناك قد يحتاج إلى صيغة مختلفة في عدن أو صنعاء أو القاهرة. المهم فهم المبدأ: جهة واضحة، ومسؤولية محددة، ومتابعة حقيقية، ومعلومات لا تضيع بعد وصولها.
قد تكون الوسيلة رقمًا موحدًا، أو منصة إلكترونية، أو مركز اتصال؛ فالاسم أقل أهمية من النتائج: هل تتحول الملاحظات المتكررة إلى معرفة؟ وهل تتحول المعرفة إلى قرار؟ وهل يرى الناس أثر ذلك في حياتهم؟
بعد مسيرة الصين خلال 77 عامًا، وما حققته من تحول كبير في فترة تاريخية قصيرة نسبيًا، تستحق التجربة أن تُقرأ ضمن صورة أوسع. فالدولة لا تُبنى بالأنظمة وحدها، والإدارة لا تقترب من الإنسان بمجرد زيادة اللوائح.
وهذا هو الدرس الذي خرجت به من تجربة بكين: أن الحوكمة ليست كثرة القوانين، وإنما قدرة الإدارة على الاستماع، والمتابعة، والتعلم، ثم تحويل ما تعرفه عن مشكلات الناس إلى إصلاح حقيقي.
*نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
عضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل