شبكة طريق الحرير الإخبارية/
بقلم: تشيان شي إعلامية صينية
إذا لاحظ أحد سكان بكين الصينية مشكلة في المرافق العامة بالقرب من منزله، أو واجه أمراً يحتاج إلى تنسيق من جانب الجهات الحكومية، يمكنه الاتصال بالرقم 12345. وبعد تلقي المكالمة، يُسجَّل طلبه ويُصنَّف ويُحال إلى الجهة المعنية لمعالجته، ثم تُبلَّغ النتيجة إلى المواطن. وقد تبدو هذه العملية مجرد طلب مساعدة بسيط، لكن عندما تتجمع أعداد كبيرة من هذه الأصوات القادمة من مختلف أنحاء المدينة في منصة واحدة، فإنها لا تعكس مشكلات فردية فحسب، بل تقدم صورة حية عما يحدث في المدينة، وما يهتم به سكانها، وما يحتاجون إليه. وفي السنوات الأخيرة، واصلت بكين تطوير إصلاح «الاستجابة الفورية لمطالب السكان»، بما يتيح التعامل بصورة أسرع مع احتياجات المواطنين، ويوفر للحكومة قناة مباشرة للاستماع إلى أصواتهم.
لكن الأهم لا يكمن فقط في سرعة الاستجابة، بل في كيفية الاستفادة من هذه الأصوات لتحسين إدارة المدينة. فعندما تتكرر المشكلة نفسها في أحياء مختلفة، أو تزداد طلبات من نوع معين في منطقة محددة، فقد لا تكون المسألة مجرد حالة فردية، بل مؤشراً إلى حاجة مشتركة أو قصور في إحدى الخدمات العامة. ومن خلال جمع هذه الطلبات وتحليلها، تستطيع الجهات المعنية فهم أسباب المشكلات وتحديد ما يحتاج إلى تحسين، بما يساعد على الحد من تكرارها. وهكذا، لا تقتصر «الاستجابة الفورية لمطالب السكان» على التعامل مع المشكلات واحدة تلو الأخرى، بل تتيح أيضاً اكتشاف المشكلات المتكررة ومعالجتها من مصدرها. وبذلك، تتحول الأصوات التي يسمعها المسؤولون يومياً من مجرد طلبات للمساعدة إلى مصدر مهم لفهم المدينة وتحسين خدماتها.
وتسهم التقنيات الرقمية في جعل هذه العملية أكثر كفاءة. ففي مدينة كبيرة مثل بكين، حيث تتنوع احتياجات السكان وتتعدد القضايا اليومية، يصعب الاعتماد على الأساليب التقليدية وحدها لفهم هذا الكم الهائل من المعلومات. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة أن يساعدا في تصنيف المعلومات واكتشاف الأنماط والاتجاهات، بما يمكّن الجهات المعنية من رصد بعض المشكلات في وقت مبكر. ومن ثم، لا تقتصر قيمة التكنولوجيا على جعل الحكومة «أسرع في معالجة المشكلات»، بل تساعدها أيضاً على «رؤية المشكلات قبل أن تتفاقم»، بما يدفع حوكمة المدن تدريجياً من الاستجابة لما حدث بالفعل إلى فهم الاحتياجات والتعامل معها بصورة أكثر استباقية.
وتطرح تجربة بكين سؤالاً يتجاوز حدود المدينة نفسها: مع اتساع المدن وتزايد تنوع احتياجات سكانها، كيف يمكن للحكومات أن تظل قريبة من حياة الناس وأن تسمع أصواتهم في الوقت المناسب؟ هذا التحدي لا يخص بكين وحدها، بل تواجهه أيضاً القاهرة والرياض ودبي وغيرها من المدن الكبرى حول العالم. وبطبيعة الحال، لكل دولة ظروفها الاجتماعية ونظمها الإدارية، ولا يمكن نقل تجربة مدينة كما هي إلى مدينة أخرى. لكن تجربة بكين تقدم فكرة تستحق الاهتمام: يمكن النظر إلى أصوات السكان باعتبارها مصدراً مهماً لفهم المدينة، واستخدام التكنولوجيا الرقمية كأداة لتعزيز التواصل بين الحكومة والمجتمع، ثم تحويل هذه المعلومات إلى تحسينات ملموسة في الخدمات العامة. فالمدينة الذكية لا تُقاس فقط بعدد التقنيات والأجهزة الرقمية التي تمتلكها، وإنما بمدى قدرتها على فهم احتياجات سكانها والاستجابة لها في الوقت المناسب. وفي نهاية المطاف، كلما أصبحت التكنولوجيا أكثر تطوراً، ازدادت أهمية أن تظل حوكمة المدن قريبة من الإنسان، وأن يكون الهدف من كل هذا التطور هو جعل الحياة اليومية أكثر سهولة وجودة.