شبكة طريق الحرير الاخبارية/
الاستاذة الدكتورة خديجة عللي*
يأتي كتاب «حين يلتقي الفارابي بشي جين بينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد» للكاتب والباحث وارف قميحة، بوصفه محاولة فكرية جادة لفتح نافذة جديدة على الحوار بين الحضارات، من خلال استحضار تجربتين تفصل بينهما مسافة زمنية وحضارية شاسعة، وتجمع بينهما، في المقابل، جملة من الأسئلة الكبرى المرتبطة بالإنسان والمجتمع والقيادة والأخلاق وغاية الحكم. فالكتاب لا ينطلق من رغبة في إجراء مقارنة سطحية بين مفكر فلسفي عاش في القرن الرابع الهجري وشخصية سياسية معاصرة، وإنما من سؤال أعمق يتصل بقدرة القيم الإنسانية الكبرى على عبور الأزمنة وإعادة التعبير عن نفسها في سياقات تاريخية وسياسية مختلفة.
وتكمن أهمية هذا العمل في اختياره الفارابي وشي جين بينغ موضوعًا للحوار الفكري؛ فالأول يمثل واحدًا من أبرز أعلام الفكر الفلسفي والسياسي في التراث العربي الإسلامي، بينما يمثل الثاني تجربة معاصرة في الحكم وإدارة الدولة وصياغة السياسات العامة. وبينما يضع الفارابي الإنسان وسعادته والفضيلة والعدالة في قلب تصوره للمدينة الفاضلة، تتناول رؤية شي جين بينغ قضايا الحوكمة والتنمية وخدمة الشعب والنزاهة والانضباط ومكافحة الفساد وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية. ومن هنا ينشأ مجال خصب للتفكير في عدد من القيم والمفاهيم التي تتجاوز الحدود الزمنية والجغرافية، دون أن يعني ذلك بالضرورة وحدة السياقات أو تطابق التجارب.
ويتمثل أحد أهم وجوه قوة الكتاب في الوعي بالمسافة الفاصلة بين المرجعيتين؛ إذ لا يدعي وجود تأثير مباشر للفارابي في شي جين بينغ، ولا يبحث عن اقتباسات أو صلات فكرية غير مثبتة، كما لا يحاول إسقاط فلسفة سياسية قديمة على واقع سياسي معاصر. وإنما يتعامل مع هذه المسافة بوصفها مجالًا للتأمل في استمرارية بعض القيم الإنسانية وقدرتها على التكيف وإعادة التشكل وفق شروط التاريخ. ولذلك يقرأ المؤلف الفارابي باعتباره مرجعية فكرية وأخلاقية في التفكير في المدينة والحكم، في حين يقرأ تجربة شي جين بينغ باعتبارها مشروعًا معاصرًا للحوكمة والسياسات العامة.
وفي هذا الإطار، يبرز الإنسان باعتباره نقطة ارتكاز أساسية في المقاربة التي يقترحها الكتاب. فالسياسة، في التصور الفارابي، ليست مجرد ممارسة لتدبير شؤون الدولة، وإنما ترتبط بغاية أسمى تتمثل في تحقيق السعادة وبناء مجتمع تسوده الفضيلة والعدالة والتعاون. وفي الرؤية المعاصرة التي يناقشها الكتاب، تحضر كذلك قضايا التنمية وتحسين حياة الإنسان، وخدمة الشعب، وتحقيق العدالة الاجتماعية، بما يجعل العلاقة بين الدولة والإنسان محورًا أساسيًا لفهم الحوكمة بوصفها مسؤولية اجتماعية وأخلاقية.
ومن القضايا المركزية التي يتوقف عندها الكتاب كذلك مفهوم القيادة المسؤولة. فالفارابي يربط صلاح المدينة بصفات القائد، الذي ينبغي أن يجمع بين الحكمة والمعرفة والفضيلة والقدرة على توجيه المجتمع نحو الخير والكمال. وفي المقابل، يسلط الكتاب الضوء على تصور شي جين بينغ للمسؤول باعتباره خادمًا للشعب وقدوة في السلوك، مع التأكيد على النزاهة والانضباط ومحاسبة المسؤولين ومكافحة الفساد. وهنا لا تكمن أهمية المقارنة في إثبات التطابق، وإنما في إبراز حضور البعد الأخلاقي في التفكير في السلطة والمسؤولية العامة.
ويأخذ الانسجام الاجتماعي في هذه المقاربة مكانة بارزة أيضًا؛ فالمدينة الفاضلة عند الفارابي تقوم على التعاون والتكامل بين أجزائها، بينما يحضر مفهوم الانسجام في الفكر السياسي الصيني ضمن سياق حضاري وفلسفي عريق، ولا سيما في علاقته بالتراث الكونفوشيوسي، مع إعادة صياغته في إطار الدولة الحديثة وربطه بالاستقرار والتنمية والوحدة الوطنية. ومن خلال هذه الزاوية، يفتح الكتاب نقاشًا حول العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الاستقرار والتقدم، وبين القيم الأخلاقية والنظام الاجتماعي.
ولا يتوقف الكتاب عند حدود الدولة والمجتمع، بل يمتد إلى مستوى أوسع يتمثل في العلاقات الدولية والتعاون بين الشعوب. ففكرة الاجتماع الإنساني الهادف إلى تحقيق السعادة عند الفارابي تجد، في المقاربة التي يقترحها المؤلف، مجالًا للحوار مع مفهوم «بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية»، بما يحمله من دعوة إلى التعاون ومواجهة التحديات المشتركة، والبحث عن مساحات للحوار والتكامل بعيدًا عن منطق الصراع.
