شبكة طريق الحرير الإخبارية/
تجلّى المعادن النفيسة في أوقات الشدائد، وتُصقَل القدرة على الصمود في خضمّ التحديات. ففي النصف الأول من العام، وعلى الرغم من الصراعات الجيوسياسية والاحتكاكات الاقتصادية والتجارية، إلى جانب تحديات داخلية متشابكة، واصل الاقتصاد الصيني مساره بثبات في مواجهة الضغوط، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.7% على أساس سنوي، محافظاً على مسار مستقر عموماً مع التحول نحو محركات نمو جديدة ونوعية أعلى، وهي إنجازات تحققت بجهود مضنية.
ويأتي معدل النمو البالغ4.7 %، عند قياسه بالمستهدف السنوي، ضمن النطاق المتوقع والمعقول الذي يتراوح بين % 4.5و5%، بما يرسّخ أساسًا متينًا لتحقيق انطلاقة قوية في مستهلّ تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة. وحافظت معدلات التوظيف والأسعار على استقرارها، فيما تجاوزت معدلات النمو في المقاطعات والمناطق الاقتصادية الرئيسية، في مجملها، المتوسط الوطني. وفي الوقت نفسه، عولجت المخاطر في مجالات من قبيل القطاع المالي وديون الحكومات المحلية بصورة منظمة ومدروسة، الأمر الذي أتاح مزيدًا من الحيز لمواجهة حالات عدم اليقين الناجمة عن البيئة الخارجية، ومهّد الطريق لمواصلة الارتقاء بجودة التنمية.
يعكس هيكلُ الاقتصاد، مع نموه بنسبة %4.7، مسارًا يتسم بجودة أعلى واستدامة أكبر. وتواصل القوى الإنتاجية النوعية الجديدة تعزيز زخمها، مُسهمةً محركاتُ النمو الجديدة مباشرةً بأكثر من %40 في التوسع الاقتصادي. ويُسهم الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة في تمكين مختلف القطاعات الصناعية، منعكسًا ذلك في ارتفاع عدد براءات الاختراع الممنوحة في هذا المجال بنسبة % 34.8على أساس سنوي. كما حقق التحول الأخضر نتائج ملموسة، ففي النصف الأول من العام، شكل توليد الطاقة النظيفة من قبل الشركات الصناعية الكبرى (التي تتجاوز حجم أعمالها حداً معيناً) ما نسبته 36.2% من إجمالي الإنتاج، وارتفع إنتاج بطاريات الليثيوم بنسبة 39.3%، بينما صعدت نسبة اختراق مركبات الطاقة الجديدة في سوق التجزئة إلى 54.1%. وعلى صعيد رفاهية السكان، أحرزت الجهود تقدماً مطرداً، حيث نما نصيب الفرد من الدخل المتاح بنسبة 5.2% بالقيمة الاسمية، وزادت مبيعات التجزئة للخدمات بنسبة 5.3%. وقد تفوقت معدلات نمو الاستهلاك في الأسواق الناشئة، مثل المناطق على مستوى المحافظات، على نظيرتها في المناطق الأخرى، في حين حافظ الاستهلاك المرتبط بالعطلات والوافدين على زخمه القوي.
يُبرز معدل النمو هذا متانة الاقتصاد وقدرته العالية على الصمود. وفي حين أدت الاضطرابات الجيوسياسية الخارجية إلى زعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية، نجحت الصين في تأمين إمدادات الطاقة وضمان استقرار الأسعار من خلال الاستفادة من مصادر طاقة جديدة ونظام الاحتياطي النفطي لديها. وفي ظل تصاعد النزعات الحمائية في التجارة العالمية، تتوسع التجارة الخارجية لتشمل قطاعات جديدة، مع استمرار تحسن القدرة التنافسية للمنتجات عالية التقنية، مثل تقنيات الطاقة الجديدة، والروبوتات، والمستحضرات الصيدلانية المبتكرة. وعلى الصعيد المحلي، فإن معالجة المخاطر المزمنة المرتبطة بقطاع العقارات، وديون الحكومات المحلية، والمؤسسات المالية الصغيرة والمتوسطة، تنطوي على تكاليف قصيرة الأجل، لكنها تمهد الطريق لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وطويلة الأمد. ولا يزال الاختلال الهيكلي المتمثل في قوة جانب العرض مقابل ضعف جانب الطلب قائماً. ونتيجة لذلك، باتت استراتيجيات الاستثمار تولي أولوية متزايدة للجودة والكفاءة، حيث يتم توجيه الموارد نحو البنية التحتية الجديدة، وتحديث قطاع التصنيع، ومعالجة أوجه القصور في المجالات التي تمس معيشة السكان.
عند النظر إلى المستقبل، يعكس معدل النمو البالغ 4.7% اقتصاداً يتمتع بزخم قوي للتنمية المستقبلية. تمتلك الصين قاعدة غنية من المواهب، وتواصل عوامل الإنتاج الجديدة، مثل البيانات والقدرة الحاسوبية، تعزيز قدرات القطاعات الصناعية، كما يزداد عمق التكامل بين الابتكار التكنولوجي والتنمية الصناعية. وتتقدم بخطى ثابتة جهود بناء سوق وطنية موحدة، حيث يتم العمل على معالجة عوائق السوق والمنافسة غير المنظمة، مع تشجيع الشركات على التحول من المنافسة القائمة على السعر إلى المنافسة القائمة على القيمة. وعلى النقيض من بعض الاقتصادات التي تعتمد على الديون المرتفعة والعجز الكبير لتحفيز النمو، تجنبت الصين مسار الاعتماد المفرط على التدخلات السياساتية الحادة. وبدلاً من ذلك، فهي تتبنى نهجاً استباقياً فيما يتعلق بالسياسات الكلية وتطبق السياسات الهيكلية بدقة، مما يجنبها الوقوع في فخ الاعتماد الكلي على السياسات.
وبشكل عام، تظل الاتجاهات الأساسية والظروف الداعمة للنمو الاقتصادي طويل الأجل في الصين ثابتة دون تغيير. كما تمتلك الصين مجموعة قوية من أدوات السياسة الاقتصادية الكلية ومساحة واسعة لإجراء تعديلات معاكسة للدورة الاقتصادية، مما يتيح طرح سياسات عملية وفعالة وتدريجية استجابةً للظروف المتغيرة، ويضمن تحقيق الأهداف السنوية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.