شبكة طريق الحرير الاخبارية/
بقلم:: بادي مكي*
بمناسبة اليوم الوطني للصحافة في 22 أكتوبر من كل سنة، والذي يخلّد ذكرى صدور جريدة «المقاومة الجزائرية» سنة 1955، فإنّ بحثنا في أرشيف الثورة الجزائرية يقودنا إلى أن تضامن جمهورية الصين الشعبية لم يكن دبلوماسياً فحسب، بل كان تضامناً إعلامياً بامتياز.
لقد كانت بكين ترى في الثورة الجزائرية أنموذجاً ملهماً، فسخّرت أقلامها وإذاعاتها لكسر الحصار الإعلامي الفرنسي، وجعلت من 22 أكتوبر يوماً عالمياً للقضية الجزائرية قبل أن يكون يوماً وطنيا للصحافة الجزائرية.
وكانت أولى محطات هذا الدعم مؤتمر باندونغ عام 1955 بإندونيسيا، النواة الأولى لحركة عدم الانحياز ونقطة الانطلاق للدعم الإعلامي للجزائر، لا سيما عندما شارك وفد جبهة التحرير الوطني ممثلاً للدولة الجزائرية التي كانت تخوض نضالها ضد بطش الاستعمار الأوروبي. وقد أصدرت وسائل الإعلام الصينية الرسمية إثر ذلك توجيهات بضرورة التغطية الدورية لكفاح الشعب الجزائري، معتبرة الثورة الجزائرية جزءاً لا يتجزأ من معركة حركات التحرر العالمية ضد الإمبريالية الهيمنة الغربية.
وتلتها محطة تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في سبتمبر 1958؛ ففور إعلان تأسيسها، قطعت إذاعة بكين برامجها لبث البيان كاملاً، حيث شنت صحيفة «الشعب اليومية» ووكالة «شينخوا» حملة إعلامية مكثفة وغير مسبوقة للترويج لشرعية هذه الحكومة، وتصدرت أخبار اعتراف الصين الفوري بها الصفحات الأولى كأول دولة غير عربية تخطو هذه الخطوة. وقد غطت الصحافة الصينية — تنفيذاً لتوجيهات القيادة الصينية — كل زيارات القادة الجزائريين إلى بكين، كزيارة وفد بن يوسف بن خدة عام 1959 وزيارة فرحات عباس عام 1960، وهو ما شكل صدمة للدبلوماسية الاستعمارية الفرنسية.
وفي ربيع عام 1958، أطلقت الصحافة الصينية المكتوبة والمسموعة حملة شعبية شاملة تحت اسم «أسبوع التضامن مع كفاح الشعب الجزائري»، حيث نشرت الصحف الملصقات الثورية وترجمت المقالات عن الثورة، وقادت هذه التعبئة إلى خروج مسيرات شعبية ضخمة ضمت ملايين الصينيين في بكين وشانغهاي والعديد من المدن الصينية. واستغلت الصحافة هذه الصور لتوجه رسالة دعم معنوي قوية للمجاهدين الجزائريين في جبال الأوراس، ولكسر الحصار النفسي الذي فرضته فرنسا. كما نشرت الصحف الصينية صوراً تاريخية تصدرت العناوين للقاءاتهم مع الزعيم ماو تسي تونغ، ونقلت خطاباتهم عبر الأثير الآسيوي، مما وفر للثورة الجزائرية منصة إعلامية دولية مجانية لم تكن تملكها في أي مكان آخر خارج العالم العربي.
إلى أن جاء اللقاء العالمي للصحافيين بمؤتمر بادن بسويسرا في 22 أكتوبر 1960؛ حيث نسقت البعثات الصحفية الصينية مع نظيراتها الآفرو-آسيوية لفرض القضية الجزائرية على أجندة اللقاء. وقد ساهم هذا التنسيق في انتزاع لائحة تأييد ومساندة دولية تاريخية للجزائر المناضلة ضد الهيمنة الاستعمارية، ودحض الأطروحة الفرنسية التي كانت تزعم أن ما يحدث في الجزائر مجرد «شأن داخلي». وبعدها واكبت الصحافة الصينية مفاوضات إيفيان خطوة بخطوة، ونشرت تحليلات تشيد بذكاء وفد جبهة التحرير الوطني في فرض شروطه وتأكيد السيادة الجزائرية الكاملة.
أما في عيد استرجاع السيادة الوطنية في 5 جويلية (يوليو) 1962، فقد توشحت الصحف الصينية باللون الأحمر احتفاءً بالمناسبة، ووصفت الحدث بأنه انتصار تاريخي ألهم أفريقيا وآسيا وأثبت صواب نظرية حرب العصابات ضد القوى الاستعمارية. ولم يتوقف الأمر عند التغطية، بل فتحت الصين أبوابها لتدريب صحفيي جبهة التحرير، واستقبلت وفوداً من المجاهدين الإعلاميين في بكين. كما كانت جريدتا «المجاهد» و«المقاومة الجزائرية» تطبعان وتوزع أجزاء منهما عبر شبكات التضامن الآسيوي التي قادتها بكين. وبينما كانت باريس تمنع دخول الصحفيين الأجانب إلى الأوراس، كانت التقارير الصينية تترجم شهادات المجاهدين وتنشرها باللغات الصينية والإنجليزية والفرنسية، لتكون مصدراً معتمداً للصحافة العالمية.
لهذا، فإننا نحن الجزائريين لن ننسى هذا الجميل، وها نحن نتذكره ونكتب عنه وفاءً للتاريخ.
عاشت الصداقة الجزائرية الصينية قوية ومتجددة دائماً.. والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار، وتحية لكل حر في هذا العالم.
*الكاتب بادي مكي – نائب رئيس تحرير شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية وعضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل