شبكة طريق الحرير الاخبارية/
بقلم/ نجيب الكمالي*
سبعون عاماً من العلاقات الدبلوماسية اليمنية الصينية
كلما مرَّ خبرٌ عن مشروع صيني جديد يطرق باب مدينة عربية، أو يرسو ميناؤه على ساحل عربي، أعود إلى اليمن كمن يرجع إلى بيته القديم ليتفقد ما تبقى من أثاث الذاكرة.
وأقف هناك، عند عتبة السبعين عامًا، وأسأل الغبار الذي تراكم على الملفات: كيف وصلنا إلى هنا؟
نحن لسنا غرباء عن الصين، ولا متأخرين عن موعدها الأول. كنا في الصف الأمامي، نرفع أيدينا بالتحية قبل أن ترفعها الأيدي الأخرى. كنا نبشر بها، ونرى في شراكتها بوابة للنهضة، قبل أن تتحول بواباتنا إلى مقابر للسفن والأحلام.
السؤال ليس: لماذا لم نستفد من الصين؟
فالاستفادة تحتاج إلى يد ثابتة، ونحن أحرقنا أيدينا في حروبنا.
السؤال الأعمق، ذلك الذي يخنق الحرف كلما هممت بكتابته: كيف انتقلنا من «نحن أول المبادرين» إلى «نحن آخر المتفرجين»؟
كيف صرنا نشاهد الآخرين يبحرون في مياه الحلم الصيني، ونحن نصلح شباك الذاكرة على شواطئ عدن؟
سبعون عامًا.
عمر يكسو وجه الدول بالحكمة، أو يترك عليها ندوب التجاهل.
الصين التي عرفناها بالأمس، تلك التي كانت تعاني المجاعة والفقر، غدت اليوم عملاقًا يقرع أبواب المستقبل. أما اليمن، ذلك الطفل المدلل في خرائط الجغرافيا، فما زال يبحث عن قميصه بين أنقاض الحروب.
عدن هناك، تتراقص أمواجها على إيقاع السفن العابرة. وباب المندب يئن تحت وطأة السفن التي تمر ولا تنظر إليه، والموانئ تنام على وسائد من غبار السنوات، بينما الشباب الذين كان يفترض أن يصنعوا جسور الغد يبحثون عن أرغفة الخبز في مهاجع الغربة.
وفي عام 2019، حين وقعنا مذكرة الحزام والطريق، شعرت بوخز أمل خفي. وفي مارس 2026، حين تحدثوا عن تفعيلها، تمنيت لو أن الورق يتحول إلى أسمنت ورصيف ومصانع، قبل أن تلتهمه رياح السياسة.
لكنني أعرف، كمن قرأ تاريخ بلاده عن ظهر قلب، أن المذكرة وحدها لا تصنع طريقًا.
الطريق يحتاج إلى أقدام ثابتة، وإلى دولة لا تتزعزع مع كل نسمة ريح.
لست هنا لألوم الصين، فهي تمضي، ولا تنتظر من يتأخر عنها. ولست هنا لأبرئ اليمن، فهو الذي أضاع بوصلته في دهاليز انقساماته.
أنا هنا لأقول إن الشراكة الحقيقية تبدأ عندما نعرف نحن ماذا نريد.
عندما نذهب إلى الصين ونحن نحمل في حقائبنا رؤية، لا قائمة شكاوى؛ رؤية لميناء عدن الاستراتيجي ، وخطة للموانئ، وحلمًا للطاقة والزراعة والتدريب والصناعة
.
أتخيل اليمن لو أن السنوات السبعين لم تكن مجرد أرقام في سجلات الخارجية. أتخيل موانئنا وهي تعج بالحاويات، ومناطق صناعية تتنفس في حضن باب المندب، وشبابًا يعودون من معاهد الصين ليبنوا مصانع في مدن اليمن.
هذه الصورة ليست خيالًا، لكنها تحتاج إلى دولة، وإلى سلام، وإلى إرادة لا تنكسر.
في الذكرى السبعين، لا أريد أن نرفع الأعلام ونلتقط الصور ثم نعود إلى نومنا الثقيل.
أريد أن نسأل أنفسنا، بصراحة مائة بالمائة:
ماذا نريد من العقد الثامن؟
هل نريد علاقة من ورق، أم مشاريع من حجر وحديد؟
لقد سبقنا كثيرين إلى الصين، لكننا أهدرنا أسبقيتنا في متاهاتنا الداخلية. واليوم، بينما الصين تمضي، والدول العربية تتوسع في شراكاتها، والصفقات تتوالد، نقف نحن عند مفترق الطرق.
ومع ذلك، فالفرصة لا تزال هنا، ليس لأن الزمن يعود، بل لأن المستقبل لم يُكتب بعد.
سبعون عامًا مضت مثل سحابة عبرت فوق رؤوسنا، لكن السؤال الأثقل الذي أريد أن أتركه يتردد هو:
ماذا سنصنع بالسبعين القادمة؟
هل سنبقى في قاع الصورة، متفرجين على السفن وهي تمر، أم نصعد إلى سطح السفينة ونصنع معًا موجًا جديدًا؟
هذه ليست وصية، ولا خطابًا سياسيًا.
إنها مجرد تأمل من مواطن يمني ، يبحث عن مرسى في زمن لا يرحم.
* نجيب الكمالي رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين عضو الرابطة العربية الصينيه للحوار والتواصل رئيس تحرير موقع صوت القضية الإخباري