Wednesday 9th September 2026
شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

الصين تعيد تعريف القوة.. من المنافسة على النفوذ إلى صناعة النظام الجديد

منذ يومين في 07/سبتمبر/2026

شبكة طريق الحرير الاخبارية

 

الصين تعيد تعريف القوة.. من المنافسة على النفوذ إلى صناعة النظام الجديد

الدكتور ليث عبدالله القهيوي 

 

لم تعد القوة في القرن الحادي والعشرين تُقاس فقط بعدد الطائرات والسفن، ولا بحجم الجيوش أو مساحة النفوذ الجغرافي. العالم يتغير بطريقة أعمق؛ فالقوة اليوم أصبحت مرتبطة بالقدرة على إنتاج المعرفة، وامتلاك التكنولوجيا، والتحكم في سلاسل القيمة والإمداد، وبناء البنية التحتية، وتطوير الذكاء الاصطناعي، وصناعة المعايير التي ستحدد شكل الاقتصاد والمجتمع والدولة في المستقبل.

ومن هذه الزاوية، فإن صعود الصين لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره صعود قوة اقتصادية كبرى، وإنما باعتباره تحولًا في مفهوم القوة نفسه.

الصين لم تصل إلى موقعها الحالي في النظام الدولي من خلال حدث واحد أو قرار منفرد، بل عبر مسار طويل جمع بين التخطيط بعيد المدى، والاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الصناعة، وتوسيع القدرات التكنولوجية، وبناء الأسواق، وربط التنمية الداخلية بانفتاح واسع على الاقتصاد العالمي.

وهنا تكمن إحدى أهم خصائص التجربة الصينية: أنها لم تتعامل مع المستقبل باعتباره نتيجة تنتظرها، بل باعتباره مجالًا يمكن التخطيط له والاستثمار فيه وصناعته.

هذه الرؤية تساعد على فهم التحولات التي تشهدها الصين اليوم. فالمنافسة الدولية لم تعد تدور فقط حول من يمتلك اقتصادًا أكبر، وإنما حول من يستطيع أن يبني منظومة أكثر قدرة على الاستمرار والتكيف والتأثير.

وفي هذا السياق، تكتسب التكنولوجيا أهمية تتجاوز كونها قطاعًا اقتصاديًا. فالذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، والاتصالات، والطاقة الجديدة، والمركبات الكهربائية، والتصنيع المتقدم، والاقتصاد الرقمي، أصبحت جميعها عناصر في معادلة القوة الوطنية. ومن يمتلك القدرة على تطوير هذه المجالات لا يكتسب ميزة اقتصادية فحسب، بل يشارك في تحديد شكل المستقبل العالمي.

وهنا تحديدًا يمكن فهم مبادرة الحزام والطريق بطريقة مختلفة عن قراءتها باعتبارها مجرد مجموعة من مشاريع البنية التحتية أو وسيلة لتوسيع التجارة. فقد قدمت الصين المبادرة باعتبارها منصة للتعاون والربط في مجالات متعددة، تشمل البنية التحتية والتجارة والاستثمار والتمويل والتواصل بين الشعوب، وربطتها برؤية أوسع للتنمية المشتركة.

لكن القيمة الاستراتيجية للحزام والطريق تظهر بصورة أكبر عندما ننظر إليها من منظور طويل المدى.

ففي عالم تتزايد فيه أهمية الممرات التجارية، وسلاسل الإمداد، ومراكز الإنتاج، والطاقة، والاتصال الرقمي، فإن القدرة على ربط الأسواق والاقتصادات والموارد والقدرات تصبح في حد ذاتها مصدرًا من مصادر القوة.

وهذا يعني أن البنية التحتية لم تعد مجرد جسور وطرق وموانئ وسكك حديدية؛ بل أصبحت جزءًا من هندسة الاقتصاد العالمي.

والتحول الأهم هنا هو انتقال الصين تدريجيًا من التركيز على «الربط المادي» إلى مفهوم أوسع للترابط يشمل التكنولوجيا والاقتصاد الأخضر والرقمنة والتعاون الصناعي والمعرفي. وهو ما ينسجم مع توجه الصين المعلن نحو تطوير تعاون عالي الجودة في إطار الحزام والطريق.

غير أن السؤال الأهم ليس: هل ستصبح الصين قوة أكبر؟

هذا السؤال أصبح أقل أهمية من سؤال آخر:

ما نوع القوة التي تريد الصين أن تكونها؟

فهناك فرق بين دولة تسعى إلى زيادة نفوذها، ودولة تعمل على بناء قدرات تجعلها قادرة على التأثير في قواعد اللعبة نفسها.

الصين تبدو أكثر اهتمامًا ببناء القدرة على المدى الطويل: القدرة الصناعية، والقدرة التكنولوجية، والقدرة التجارية، والقدرة المالية، والقدرة على الابتكار، والقدرة على بناء الشراكات. ومن هنا يصبح النفوذ نتيجة للقدرة، وليس بديلًا عنها.

وهذا يفسر أيضًا اهتمام الصين المتزايد بالحوكمة العالمية وبإعادة صياغة النقاش حول كيفية إدارة القضايا الدولية. ففي يونيو 2026، نشرت الحكومة الصينية ورقة بيضاء بعنوان «حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها»، وهو تطور يعكس انتقال النقاش الصيني من التنمية والتعاون الاقتصادي إلى مساحة أوسع تتعلق بصورة النظام الدولي وآليات إدارته.

وبذلك يصبح الصعود الصيني أكبر من مجرد منافسة على حجم الاقتصاد أو الحصة السوقية.

إنه انتقال من امتلاك عناصر القوة إلى التأثير في البيئة التي تعمل داخلها هذه القوة.

وهذا التحول ستكون له آثار عميقة على العالم العربي.

فالدول العربية تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وموارد مهمة، وأسواقًا واسعة، وممرات استراتيجية، واحتياجات ضخمة في الطاقة والغذاء والمياه والبنية التحتية والتكنولوجيا. لكن القيمة الحقيقية لهذه المزايا لن تتحدد فقط بحجم الموارد، وإنما بقدرة الدول العربية على تحويلها إلى قدرات إنتاجية ومعرفية وتكنولوجية.

وهنا يمكن أن تتحول العلاقة مع الصين من علاقة تجارية تقليدية إلى علاقة تقوم على تبادل القدرات.

فالمطلوب ليس فقط أن تأتي الاستثمارات الصينية إلى المنطقة، وإنما أن تأتي معها التكنولوجيا، والمعرفة، وسلاسل القيمة، والتدريب، والبحث والتطوير، والقدرة على بناء الصناعات المحلية.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي شراكة استراتيجية في المستقبل: ليس حجم ما تستورده دولة من شريكها، وإنما مقدار ما تستطيع أن تبنيه بفضل هذه الشراكة.

ومن هذه الزاوية، يمتلك الأردن فرصة خاصة.

فالأردن لا يستطيع، ولا يحتاج، إلى منافسة الاقتصادات الكبرى في حجم الموارد الطبيعية. ميزته الأكثر أهمية تكمن في الإنسان، والتعليم، والخدمات، والموقع، والقدرة على بناء بيئة معرفية وريادية، إضافة إلى موقعه الذي يسمح له بأن يكون نقطة اتصال بين أسواق ومناطق متعددة.

ولهذا فإن الشراكة مع الصين يمكن أن تكتسب قيمة أكبر عندما تنتقل من الاستثمار في المشاريع إلى الاستثمار في القدرة الأردنية على إنتاج المشاريع والابتكار والفرص.

والأمر نفسه ينطبق على العالم العربي بأكمله.

فالمرحلة القادمة لن تكون مرحلة البحث عن طرف أقوى للارتهان إليه، وإنما مرحلة بناء شبكة من الشراكات الذكية والمتوازنة. الصين ليست مطالبة بأن تكون بديلًا عن أي طرف، والعالم العربي ليس بحاجة إلى استبدال شريك بشريك؛ بل يحتاج إلى توسيع خياراته وتعظيم قدرته على التفاوض وتحويل موقعه الجغرافي والاقتصادي إلى قيمة استراتيجية.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات النظام الدولي الجديد: تعدد مراكز القوة لا يعني بالضرورة تعدد مراكز الصراع.

يمكن أن يكون العالم أكثر تعددًا، وفي الوقت نفسه أكثر حاجة إلى التعاون. ويمكن للدول أن تختلف سياسيًا، لكنها تتعاون في الطاقة والتكنولوجيا والتجارة والمناخ والغذاء والصحة والتعليم.

وهذه هي المساحة التي يمكن للصين أن تلعب فيها دورًا أكبر خلال العقود المقبلة: ليس فقط كاقتصاد ضخم، وإنما كقوة تمتلك القدرة على الجمع بين التنمية والتكنولوجيا والبنية التحتية والتعاون الدولي ضمن رؤية طويلة المدى.

لكن نجاح هذا الدور لن يعتمد على الصين وحدها.

فالنظام الدولي الجديد لن تصنعه دولة واحدة، مهما بلغت قوتها. ستصنعه الدول التي تستطيع أن تفهم التحول مبكرًا، وتعيد بناء قدراتها، وتحدد مصالحها، وتدخل في الشراكات من موقع الفاعل لا المتلقي.

وهنا تحديدًا تتغير معادلة القوة.

في القرن العشرين كان السؤال: من يملك القوة؟

أما في القرن الحادي والعشرين، فإن السؤال الأكثر أهمية أصبح:

من يملك القدرة على صناعة المستقبل؟

الصين تخوض هذا السباق بطريقتها؛ عبر التخطيط طويل المدى، وبناء القدرات، وتوسيع الترابط، والاستثمار في التكنولوجيا، وتطوير الشراكات، وطرح تصوراتها حول التنمية والحوكمة والتعاون الدولي.

والحزام والطريق، في هذا السياق، ليس نهاية القصة، بل أحد فصولها.

أما الفصل الأهم، فهو قدرة الصين على الانتقال من دولة تستفيد من النظام العالمي إلى قوة تشارك بصورة متزايدة في تشكيل الاتجاه الذي يتحرك إليه هذا النظام.

وهنا لا يعود السؤال عن صعود الصين سؤالًا عن الصين وحدها.

إنه سؤال عن شكل العالم الذي سيأتي بعدها.

وفي هذا العالم، لن تكون المنافسة الحقيقية بين من يملك موارد أكثر، وإنما بين من يستطيع أن يحول موارده إلى معرفة، ومعرفته إلى تكنولوجيا، وتكنولوجيته إلى قدرة، وقدرته إلى شراكات، وشراكاته إلى مستقبل.

وهذه هي اللحظة التي تبدأ فيها الصين، والعالم معها، إعادة تعريف معنى القوة.

 

بواسطة: khelil

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

إقتباسات كلاسيكية للرئيس شي جين بينغ

في مئوية تأسيس الحزب الشيوعي الصيني

أخبار أذربيجان

مبادرة الحزام والطريق

سياحة وثقافة

حقائق شينجيانغ

حقائق تايوان

حقائق هونغ كونغ

هيا نتعرف على الصين

الدورتان السنويتان

الصين تحت المجهر: مقالات.. تعليقات.. تحليلات

النشر في شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

الإحصائيات


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *