شبكة طريق الحرير الاخبارية/
بقلم: عبد القادر خليل
لم تكن العلاقات الجزائرية السوفياتية، خلال العقود التي أعقبت استقلال الجزائر، محصورة في الجوانب السياسية والعسكرية فحسب، بل شملت مجالات اقتصادية وعلمية وتقنية وثقافية واسعة، وكان قطاع المحروقات في مقدمة القطاعات التي استفادت من هذا التعاون. غير أن جانباً من هذه المرحلة لا يزال بعيداً عن معرفة الكثيرين، ويتعلق بالدور الذي أداه العلماء والمهندسون الأذربيجانيون ضمن الفرق السوفياتية التي عملت في الجزائر، ومن أبرزهم الأكاديمي موسى ميرزا أوغلو علييف.
ولد موسى علييف عام 1908 في مدينة شاماخي بأذربيجان، والتحق عام 1926 بجامعة أذربيجان الحكومية للنفط والصناعة، حيث تخصص في مجال التنقيب عن المعادن، وحصل عام 1931 على شهادة التعليم العالي. واصل مسيرته العلمية حتى حصل على درجة الدكتوراه عام 1957، وفي العام نفسه عُيّن أستاذاً جامعياً. كما تولى رئاسة جامعة أذربيجان الصناعية خلال الفترة 1939–1941، ثم رئاسة أكاديمية العلوم الأذربيجانية بين عامي 1950 و1958.
إلى جانب نشاطه العلمي والأكاديمي، كان موسى علييف ناشطاً في الحياة العامة والسياسية، إذ شغل لسنوات عضوية في برلمان الاتحاد السوفياتي والبرلمان الأذربيجاني، كما تولى منصب نائب رئيس وزراء أذربيجان ورئيس مجلس التخطيط الأذربيجاني. وحصل خلال مسيرته على عدد من الجوائز والأوسمة تقديراً لأعماله وخدماته. وتوفي في باكو عام 1985.
في ستينيات القرن الماضي، كانت الجزائر تعمل على بناء قدراتها الوطنية في مجال استكشاف واستغلال النفط والغاز، في وقت كانت فيه علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي تشهد تطوراً ملحوظاً. وفي هذا السياق، وصل موسى علييف إلى الجزائر عام 1967 على رأس فريق تقني محدود، بهدف المساهمة في الدراسات الجيولوجية وأعمال التنقيب عن المحروقات.
وبحسب ما أورده موسى علييف في مذكراته، حظي باستقبال من وزير الطاقة والصناعة الجزائري عبد السلام بلعيد، ومن أحمد غزالي، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس الشركة الوطنية للمحروقات سوناطراك، إلى جانب أعضاء الفريق المرافق له. وفي تلك الفترة، كان عدد من الخبراء الفرنسيين والأمريكيين يشغلون مناصب مهمة في سوناطراك، ويذكر علييف أن بعضهم اتخذ موقفاً معادياً من الفريق السوفياتي ووصف أعضاءه بأنهم عملاء لجهاز الاستخبارات السوفياتية «كي جي بي».
ورغم ذلك، بدأ الفريق بقيادة موسى علييف أعماله في الصحراء الجزائرية، وانتقل المهندسون والخبراء إلى منطقة حاسي مسعود لإجراء الدراسات وتقديم التوصيات بشأن استغلال الموارد النفطية والغازية. وبعد نحو ثلاثة أشهر من بدء العمل، عقد اجتماع في شركة سوناطراك عرض خلاله خبراء جيولوجيون فرنسيون وخبراء جيوفيزياء أمريكيون نتائج أبحاثهم بشأن رواسب منطقة تندوف.
وخلال الاجتماع، طرح موسى علييف ومساعدته ديلارا أوروجوفا عدداً من الأسئلة على الخبراء الفرنسيين والأمريكيين، قبل أن يقدم الفريق السوفياتي نتائج أبحاثه أمام اللجنة المختصة في سوناطراك. ووفقاً لشهادة علييف، أقر الخبراء الفرنسيون والأمريكيون بأن نتائج الدراسات التي قدمها الفريق الذي قاده كانت أكثر دقة.
ومن بين التوصيات التي قدمها الخبراء الأذربيجانيون زيادة عمق عمليات الحفر والتنقيب. ففي الوقت الذي كانت فيه الشركات الأجنبية تقوم بالحفر على أعماق تقارب 3000 متر، رأى الفريق الأذربيجاني ضرورة الوصول إلى أعماق تصل إلى 5000 متر، انطلاقاً من احتمال وجود احتياطيات إضافية من النفط في الطبقات الأعمق، وهو ما كان من شأنه أن يتيح للجزائر الاستفادة بصورة أكبر من مواردها الطبيعية وتحقيق عائدات إضافية من قطاع المحروقات.
ومع توسع التعاون، ازداد عدد الخبراء السوفيات العاملين في الجزائر. فبعد أن كان الفريق الذي رافق موسى علييف يضم عدداً محدوداً من الأشخاص عام 1967، بلغ عدد أعضائه نحو 150 شخصاً في عام 1968. وبين عامي 1970 و1971، كان يعمل في الجزائر نحو 2000 مهندس وخبير من الاتحاد السوفياتي، من بينهم مئات المهندسين والمتخصصين الأذربيجانيين.
ولم تقتصر مساهمة موسى علييف وفريقه على أعمال التنقيب، إذ كُلّف بإعداد دراسة حول التركيب الجيولوجي لمنطقتي الصحراء والأطلس. وترجمت الدراسة إلى العربية والفرنسية والألمانية والإنجليزية، وقدمت إلى المشاركين في المؤتمر العربي الثامن للدول المنتجة للبترول. وحظيت باهتمام كبير، كما نشرت في عدد من المطبوعات، واستُخدمت لاحقاً في المجال الأكاديمي في الجزائر.
ومع تزايد أهمية الدراسات التي قدمها الفريق الأذربيجاني، استدعى الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين أعضاء الفريق إلى القصر الرئاسي. واستمرت اللقاءات والعروض التي قدمها الخبراء لمدة يومين، حيث أبدى بومدين اهتماماً كبيراً بالإمكانات النفطية للجزائر، وطرح على موسى علييف وفريقه أسئلة حول قدرة البلاد على التحول إلى دولة نفطية، خاصة بعد خيبة الأمل التي رافقت الاستثمارات السابقة في مجال الفحم.
وبحسب مذكرات موسى علييف، أكد العالم الأذربيجاني أن النفط يختلف عن الفحم من حيث الأهمية الاقتصادية، مشيراً إلى أنه لا يمثل مصدراً للطاقة فحسب، وإنما يشكل أيضاً أساساً لتطوير الصناعة البتروكيماوية.
وقدم الفريق خلال اللقاء تصورات مختلفة بشأن مستقبل قطاع المحروقات، خلصت إلى أن حجم العائدات التي يمكن أن تحققها الجزائر يرتبط بصورة مباشرة بحجم الاستثمارات الموجهة إلى عمليات الاستكشاف والإنتاج وتطوير الحقول. كما شدد الخبراء على أن الاستثمار المدروس والطويل الأمد في قطاع المحروقات يمكن أن يتيح للجزائر الاستفادة بصورة أكبر من احتياطياتها وتحقيق موارد مالية ضخمة.
وتكشف تجربة موسى علييف وفريقه عن جانب مهم من تاريخ التعاون الجزائري السوفياتي، كما تسلط الضوء على الدور الذي أداه الأذربيجانيون في تطوير قطاعات استراتيجية في الجزائر خلال مرحلة ما بعد الاستقلال. ففي الوقت الذي كان فيه العالم ينظر إلى جميع الخبراء القادمين من الاتحاد السوفياتي باعتبارهم «روساً»، كان من بينهم علماء ومهندسون من جمهوريات مختلفة، وفي مقدمتها أذربيجان التي امتلكت آنذاك خبرة متقدمة في مجالات النفط والغاز والجيولوجيا.
وتبقى مسيرة موسى علييف في الجزائر إحدى الصفحات المهمة في تاريخ التعاون العلمي والتقني بين البلدين، كما تمثل شاهداً على مساهمة المدرسة العلمية الأذربيجانية في مرحلة مبكرة من بناء وتطوير قطاع المحروقات الجزائري، وهو إرث تاريخي يكتسب أهمية خاصة اليوم في ظل تطور العلاقات بين الجزائر وأذربيجان وتوسع التعاون بينهما في مختلف المجالات.
*عبد القادر خليل- رئيس تحرير شبكة طريق الحرير الاخبارية.