شبكة طريق الحرير الإخبارية/
بقلم جميلة ما شياو جينغ،
إعلامية صينية في قناة سي جي تي
إن مع اقتراب نهاية العطلة الصيفية، يصل إلى دور السينما الصينية فيلم رائع آخر بعنوان “مرحبا بكم في مطعم التنين”، الذي حقق تقييما بلغ9.8 في عروضه المسبقة. يروي الفيلم قصة طاهٍ صيني يسافر إلى منطقة مزقتها الحرب لافتتاح مطعم، فيجد نفسه مضطرا إلى المناورة بين أطراف متصارعة وسط وابل من الرصاص والقصف، قبل أن يقود في نهاية المطاف 23 طفلا يتيما إلى بر الأمان.
إنه عمل جاد مستوحى من أحداث حقيقية، ويتناول الحرب من منظور طرف ثالث بعيدا عن الاصطفافات التقليدية. الأحداث الواقعية تمنح الفيلم ثقله ومصداقيته يعد المخرج وين مويه أحد أبرز المخرجين الصينيين في مجال السينما الواقعية، ويشتهر بقدرته على تناول القضايا الاجتماعية من خلال لغة سينمائية مؤثرة. وقد حظي فيلمه الأول “الموت من أجل البقاء”، المستوحى من واقعة طبية حقيقية، بإشادة نقدية واسعة، وحصد العديد من الجوائز عند عرضه.
ولا يختلف فيلم “مرحبا بكم في مطعم التنين” عن ذلك من حيث استناده إلى الواقع. فقد استلهمت الفكرة الأساسية للعمل من تجارب حقيقية لأصحاب مطعم صينيين عاشوا في العراق خلال سنوات الحرب في مطلع الألفية الجديدة. إذ توجه عدد من الصينيين العاديين إلى بغداد لافتتاح مطعم صيني، ليتحول إلى ملاذ نادر للحياة وسط الحرب. وكان مطعم تشن شيان تشونغ، الشخصية الحقيقية، يمثل مساحة آمنة نسبيا نظرا لحياده، حيث قام بإيواء المدنيين الذين شردتهم الحرب، والأطفال المتضررين منها، إلى جانب صحفيين أجانب. وعلى الرغم من أن الفيلم يقدم معالجة فنية لأحداث واقعية، إلا أن جوهر السرد الذي يصوّر أشخاصا عاديين يتمسكون بإنسانيتهم وسط لهيب الحرب، يظل وثيق الصلة بالتجارب الحقيقية، وهو ما يمنح رسالته المناهضة للحرب أساسا واقعيا راسخا. منظور محايد يكسر السردية الثنائية لأفلام الحروب يرصد الفيلم الصراع برمته من منظور طاهٍ صيني سافر إلى الشرق الأوسط، متجاوزا بذلك السرديات الأحادية والثنائية الشائعة في أفلام الحروب.
يقر الفيلم بالأسباب المعقدة وراء الصراع: فالجيش الأمريكي ليس بريئا تماما، والجماعات المتطرفة، وإن لم تنشأ من فراغ، ليست بريئة هي الأخرى، وعليها أن تتحمل مسؤولية الفظائع التي ارتكبتها. فالحرب أشبه بآلة فائقة السرعة، وكل من يشارك فيها جزء منها؛ البعض يرتكب الجرائم، بينما يتحمل آخرون المعاناة بصمت. يتسق هذا النهج السردي الذي يتجنب الانحياز المباشر أو إصدار أحكام مجتزأة على مختلف أطراف الصراع، مع الموقف الذي تتبناه الصين إزاء الحرب.
تستمد القيم التي يطرحها الفيلم قوتها من الواقع ذاته: فالصين لم تكن طرفا في إشعال الحرب، بل قدمت نفسها على مدى السنوات بوصفها طرفا داعيا إلى الحوار والوساطة وإعادة الإعمار. وبحكم عدم تدخلها في الصراع، فإن الصين لا تتحمل أي أعباء تاريخية مرتبطة بتلك الحرب؛ ولهذا السبب تحديدا، لم يجد صناع الفيلم أنفسهم ملزمين بتبرير تصرفات بلادهم أو تجميل صورتها، الأمر الذي أتاح لهم تقديم سردية مناهضة للحرب تتجاوز منطق الاصطفاف، وتحاول أن تنظر إلى الواقع المعقد للحرب من زوايا متعددة.
الحرب تسحق الطفولة، ومطعم التنين يصبح الملاذ الأخير تركز أكثر مشاهد الفيلم إيلاما على الأطفال. ففي لحظة مؤثرة، كانت ابنة إحدى الشخصيات تتحدث مع والدها عن تناول الجمبري، قبل أن تخترقها رصاصة لتتحول لحظة عائلية عابرة إلى مأساة لا رجعة فيها. وفي دار الأيتام، يتعرض الأطفال لغسل الدماغ والتضليل على يد زعيم إحدى الجماعات المسلحة المتطرفة الذي يستدرجهم ليصبحوا انتحاريين.
وفي المقابل، يعلن الجنود الأمريكيون ببرود: “لا يوجد أطفال في الشرق الأوسط، جميعهم إرهابيون”؛ أما الجماعات المتطرفة فتلقن الأيتام رسالة مفادها: “إن لم تُصبحوا أسلحة، فستصبحون وقودا للمدافع” – فالحرب تلتهم الأطفال بشكل ممنهج، جسديا ونفسيا. ولمواجهة هذا الواقع، يحول بطل الفيلم الطباخ شو فو، وما جيونشنغ، مطعمهما إلى ملجأ للأيتام. ويُضحّي ما جيونشنغ بنفسه لإنقاذ الأطفال، بينما ينجح شو فو في الهروب من منطقة الحرب برفقة 23طفلا. ويكرر الفيلم في أكثر من مشهد عبارة بسيطة في ظاهرها وعميقة في دلالتها: “لكل طفل الحق في أن يأكل جيدا”.
رواية حماية الطفل تعكس التزامات الصين الدولية وإجراءاتها العملية يتقاطع هذا الجانب من السرد مع التزام الصين بحماية حقوق الطفل على المستوى الدولي. فقد وقعت الصين على اتفاقية حقوق الطفل عام 1990، وصادقت عليها رسميا عام 1992، لتكون من أوائل الدول المصدقة عليها.
وفي عام 2023، قدمت الصين تقريريها الخامس والسادس المجمعين حول تنفيذ الاتفاقية إلى الأمم المتحدة. وفي عام 2025، صرّح فو تسونغ، المندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، في كلمة أمام مجلس الأمن، بأن “الأطفال هم الفئة الأكثر براءة وضعفا في النزاعات المسلحة”، داعيا الدول إلى تعزيز حماية الأطفال والتصديق على الاتفاقية. وفي هذا الإطار، فإن مُثُل السلام ودعوات حماية حقوق الأطفال -التي تتجلى في صور نيران الطهي وأوعية الأرز في الفيلم- تتناغم بعمق مع الموقف الإنساني الذي تتبناه الصين باستمرار على الساحة الدولية. وعلى عكس كثير من أفلام الحروب التي تصور الصراع من خلال الدخان والدمار، يستخدم فيلم “مرحبا بكم في مطعم التنين” دفء موقد المطبخ لمواجهة ويلات عالم فوضوي، مُستعينا بدفء الطعام لتخفيف قسوة الحرب.
لا يقدم الفيلم شعارات سلام جوفاء، بل يتبنى نبرة صادقة ومنظورا محايدا وروحا مفعمة بالخير لتوثيق معاناة الناس العاديين وصمودهم وسط أتون الصراع. ومن خلال المقابلة بين نار موقد المطبخ ونيران الحرب، وبين الطفولة ودخان المعركة، وبين الإنسانية والعنف، تتبلور رسالة الفيلم المناهضة للحرب بصورة أكثر صدقا وعمقا. فطبق الطعام الساخن والمطعم ليسا مجرد وسيلة لإطعام الأطفال أو ملاذ لهم في منطقة دمرتها الحرب، بل يمثلان أيضا صورة مصغرة حيّة لمفهوم السلام في الرؤية الصينية، ويعبران بصمت عن أبسط التطلعات وأكثرها رسوخا: أن تستمر إيقاعات الحياة اليومية، وأن يبقى للأطفال مكان حول المائدة، وأن يستمر السلام وتدوم النوايا الحسنة إلى الأبد.