شبكة طريق الحرير الاخبارية/
عن/صحيفة الشعب اليومية/بكيت
بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة جزائرية في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية
تمثل العلاقات بين الجزائر والصين واحدة من أبرز نماذج العلاقات بين دول الجنوب، إذ اتسمت منذ نشأتها بعمق سياسي واستمرارية تاريخية جعلتها تتجاوز الطابع الظرفي أو المصالح الآنية، لتتطور تدريجياً إلى شراكة استراتيجية شاملة تشمل مجالات السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة. وقد تأسست هذه العلاقة على أرضية صلبة قائمة على التضامن خلال مرحلة الكفاح ضد الاستعمار، قبل أن تنتقل عبر العقود إلى مستويات أكثر تنوعاً وتعقيداً، تجمع بين الإرث التاريخي والمصالح المتبادلة والرؤية المشتركة لنظام دولي أكثر توازناً.
ومع اندلاع الثورة الجزائرية في الأول من نوفمبر 1954، برزت الصين الشعبية كإحدى الدول التي تبنت موقفاً داعماً لحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، من خلال رؤيتها التي كانت تعتبر حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية قوة تاريخية قادرة على تفكيك النظام الاستعماري. ولم يقتصر هذا الدعم على الخطاب السياسي، بل تجسد في مواقف دبلوماسية داخل المحافل الدولية، وفي دعم متواصل للقضية الجزائرية في المؤتمرات الآسيوية والإفريقية، ما ساهم في كسر جانب من العزلة الدولية التي حاولت فرنسا فرضها على الثورة الجزائرية، كما تعززت الاتصالات السياسية بين جبهة التحرير الوطني الجزائرية والقيادة الصينية في إطار الجهود الرامية إلى كسب الاعتراف الدولي بالقضية الجزائرية.
شكّل عام 1958 محطة مفصلية في مسار العلاقات الجزائرية–الصينية، إذ بادرت الصين إلى الاعتراف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، لتصبح أول دولة غير عربية تقدم هذه الخطوة. وفي أكتوبر 1958، استقبلت الصين أول وفد رسمي من الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، في زيارة هدفت إلى تعزيز الاتصالات السياسية وحشد الدعم الدولي للقضية الجزائرية، وذلك بالتزامن مع تنظيم فعاليات تضامنية واسعة في مختلف أنحاء الصين، شارك فيها آلاف المواطنين وممثلون عن جبهة التحرير الوطني. وقد مثّل هذا الاعتراف المبكر وما رافقه من تحركات دبلوماسية دعمًا سياسيًا ومعنويًا بالغ الأهمية، أسهم في تعزيز الشرعية الدولية للثورة الجزائرية، وشجع عددًا من الدول الآسيوية والإفريقية على اتخاذ مواقف مماثلة، مما عزز الحضور الدبلوماسي للقضية الجزائرية على الساحة الدولية خلال تلك المرحلة الحساسة. وتوّج هذا التقارب بإقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين في 20 ديسمبر 1958، لتدخل العلاقات الجزائرية–الصينية مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق السياسي.
وخلال السنوات اللاحقة وحتى عام 1962، واصلت الصين دعمها للثورة الجزائرية، إلا أن هذا الدعم اتسم بالحذر في ممارساته السياسية والدبلوماسية، نظرًا للظروف الدولية التي فرضتها الحرب الباردة. فقد أعلنت القيادة الصينية باستمرار تأييدها لحق الشعب الجزائري في الاستقلال وتقرير مصيره، وحرصت على مساندة القضية الجزائرية في المحافل الدولية. وفي الوقت نفسه، سعت إلى تجنب أي خطوات قد تمنح القوى الغربية، ولا سيما فرنسا وحلفاءها، مبررًا لتوسيع نطاق تدخلها في شمال إفريقيا أو تصعيد التوتر الدولي. ويعكس هذا النهج حرص الصين على الموازنة بين التزامها المبدئي بدعم حركات التحرر الوطني، وبين مراعاة التوازنات الجيوسياسية التي كانت تحكم العلاقات الدولية خلال في تلك المرحلة.
ومع استعادة الجزائر استقلالها في 5 يوليو 1962، أصدرت الصين في 10 يوليو 1962، مجموعة من الطوابع التذكارية الخاصة بعنوان “دعم كفاح الشعب الجزائري من أجل التحرير الوطني”، تأكيدًا لاستمرار المساندة الصينية للقضية الجزائرية وتخليدًا لانتصار ثورتها. وتألفت المجموعة من طابعين: الأول، يُجسد شعلة وخريطة الجزائر في دلالة على نضال الشعب الجزائري وانتصاره، ويصور الثاني مقاتلًا من جيش التحرير الوطني وخلفه العلم الجزائري، في تجسيد لرمزية الكفاح من أجل الاستقلال. وقد حمل إصدار هذه الطوابع دلالة سياسية ورمزية مهمة، إذ عبّر عن تضامن الحكومة والشعب الصينيين مع الثورة الجزائرية، وعن اعتزاز الصين بانتصارها، بما عكس عمق العلاقات التي تشكلت بين البلدين منذ سنوات الثورة واستمرت بعد الاستقلال في إطار شراكة قائمة على التعاون والتضامن.
ومن هذا العام، انتقلت العلاقات الجزائرية–الصينية من مرحلة التضامن الثوري إلى مرحلة جديدة اتسمت بإرساء علاقات رسمية ومؤسسية، لتبدأ مسيرة من التعاون الثنائي في مختلف المجالات. وقد تجسد هذا التحول في المبادرات الصينية الرامية إلى دعم جهود الدولة الجزائرية الفتية، حيث أوفدت الصين أول بعثة طبية لها إلى الخارج إلى الجزائر في عام 1963، كما شارك خبراؤها في تنفيذ عدد من مشاريع البنية التحتية والإسكان والأشغال العمومية، وهو ما عكس المكانة المتميزة التي احتلتها الجزائر في السياسة الخارجية الصينية خلال السنوات الأولى من استقلالها.
وخلال سبعينيات القرن العشرين، تعزز التعاون السياسي بين البلدين في الساحة الدولية، حيث لعبت الجزائر دوراً بارزاً في دعم استعادة الصين لمقعدها الشرعي في الأمم المتحدة عام 1971 عبر القرار 2758، في إطار موقفها الداعم لمبدأ عدم الإقصاء السياسي واحترام سيادة الدول. وفي المقابل، واصلت الصين دعم الجزائر في المحافل الدولية، ما أسس لتقارب سياسي مستمر عزز الثقة المتبادلة بين البلدين.
ومع نهاية الحرب الباردة وبداية التحولات الاقتصادية العالمية، بدأت العلاقات تأخذ بعداً اقتصادياً متزايد الأهمية، حيث ظلت المبادلات التجارية محدودة في البداية، قبل أن تتوسع تدريجياً خلال تسعينيات القرن الماضي، مستندة إلى سلسلة من الاتفاقيات التجارية التي وُقعت منذ ستينيات القرن العشرين، من بينها اتفاقيات 1964 و1979 و1999، والتي أرست الإطار القانوني للتعاون الاقتصادي اللاحق.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، شهدت العلاقات الجزائرية الصينية طفرة نوعية كبيرة، تزامنت مع الصعود الاقتصادي للصين وتزايد الاحتياجات التنموية للجزائرية. فقد أصبحت الصين أحد أهم الشركاء التجاريين للجزائر، متصدرة قائمة الموردين، وارتفع حجم التبادل التجاري ليصل إلى أكثر من 15 مليار دولار بحلول عام 2025. كما توسع نشاط الشركات الصينية ليشمل مشاريع كبرى في مجالات الطرق السريعة، الموانئ، المطارات، السكن، السكك الحديدية، إضافة إلى قطاعات الطاقة والاتصالات، ما جعل الحضور الصيني عنصراً محورياً في مشهد التنمية في الجزائر.
وفي هذا السياق، اكتسبت مبادرة “الحزام والطريق” أهمية خاصة في تعزيز التعاون الثنائي، خاصة بعد انضمام الجزائر إليها عام 2018، ما أتاح إطاراً استراتيجياً أوسع للتكامل الاقتصادي والربط اللوجستي. كما شكّل إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة في مايو 2014 محطة مفصلية في تاريخ العلاقات، باعتباره أول إطار من نوعه بين الصين ودولة من شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما أعاد تعريف مستوى التعاون بين البلدين. وتم دعم ذلك لاحقاً عبر خطط تنفيذية ومذكرات تعاون، من بينها الخطة الثلاثية 2022–2024، التي ركزت على مجالات التنمية ذات الأولوية للطرفين.
وخلال السنوات الأخيرة، لم يعد التعاون بين البلدين مقتصراً على البنية التحتية والتجارة، بل امتد إلى مجالات الاقتصاد الجديد مثل الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والألياف البصرية، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الأخضر، في تحول يعكس سعي البلدين إلى مواكبة التحولات العالمية في الاقتصاد والتكنولوجيا. وبالتوازي مع ذلك، تطور التعاون الثقافي والعلمي من خلال ارتفاع عدد الطلبة الجزائريين في الجامعات الصينية، وتوسع تعليم اللغة الصينية في الجزائر، وتكثيف برامج التبادل الأكاديمي والبحثي في مجالات الطاقة والبيئة والزراعة والابتكار، بما عزز التفاهم الشعبي بين البلدين.
وعلى الصعيد السياسي الدولي، حافظ البلدان على تقارب ملحوظ في العديد من القضايا، خاصة دعم التعددية الدولية، واحترام سيادة الدول، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز دور الأمم المتحدة، إلى جانب توافقهما بشأن عدد من القضايا الدولية البارزة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. كما تؤكد الجزائر تمسكها بسياسة الصين الواحدة، بينما تؤكد الصين دعمها لوحدة وسيادة الجزائر، ما يعكس مستوى متقدماً من الثقة السياسية المتبادلة.
وقد شكلت زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الصين في يوليو 2023 منعطفاً مهماً في مسار العلاقات الثنائية، حيث أكد البيان المشترك الصادر عقب الزيارة على تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وتوسيع التعاون في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، وتعميق التنسيق في القضايا الدولية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام العالمي.
وبذلك، يتضح أن العلاقات الجزائرية ـ الصينية لم تعد مجرد امتداد تاريخي للتضامن الثوري، ولا مجرد شراكة اقتصادية تقليدية، بل أصبحت نموذجاً لعلاقة استراتيجية متعددة الأبعاد، تتطور باستمرار على أساس الثقة السياسية والمصالح المشتركة والرؤية المتقاربة لمستقبل النظام الدولي، وهو ما يجعلها مرشحة لمزيد من التعميق والتوسع في العقود المقبلة.