شبكة طريق الحرير الاخبارية/
بقلم الكاتب أحمد محمد،
عضو مجلس الإدارة في الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل
في الأول من يوليو من كل عام، تحتفل الصين بذكرى تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، وهي مناسبة وطنية لا تمثل مجرد استذكار لتاريخ حزب سياسي، بل وقفة أمام مسيرة امتدت لأكثر من قرن، استطاع خلالها الحزب أن يقود الصين من حقبة الاحتلال والانقسام والفقر إلى مرحلة النهضة الوطنية الشاملة، لتصبح اليوم إحدى أكبر القوى الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية في العالم.
إن ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي الصيني ليست مجرد مناسبة تاريخية، وإنما فرصة لقراءة تجربة سياسية وتنموية استثنائية أثبتت أن الإرادة الوطنية، والرؤية الاستراتيجية، والقدرة على الإصلاح المستمر، يمكن أن تصنع تحولا تاريخيا في مسيرة الأمم. فمنذ تأسيسه عام 1921، ارتبطت مسيرة الحزب ارتباطا وثيقا بمصير الشعب الصيني، واضعا تحقيق نهضة الأمة وتحسين حياة المواطنين في صميم رسالته.
ولفهم الصين المعاصرة، لا بد من فهم الحزب الشيوعي الصيني، كما أكد الرئيس شي جين بينغ بقوله: “لفهم الصين اليوم، يجب على المرء أن يفهم الحزب الشيوعي الصيني”. فالحزب لم يكن مجرد قائد للثورة والتحرير الوطني، بل أصبح المهندس الرئيسي لمسيرة الإصلاح والانفتاح والتحديث، وصاحب الدور المحوري في بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وتحويل الصين إلى قوة عالمية مؤثرة، مع التمسك بمبدأ التنمية السلمية والتعاون والمنفعة المتبادلة.
ومن هذا المنطلق، فإن قراءة تاريخ الحزب الشيوعي الصيني ليست قراءة لتاريخ مؤسسة سياسية فحسب، بل هي قراءة لتاريخ الصين الحديثة بكل ما شهدته من تحولات وإنجازات. فقد جاءت ولادته في مرحلة كانت الصين تعيش واحدة من أصعب فترات تاريخها، بعد سنوات طويلة من التدخلات الأجنبية والانقسامات الداخلية، لتبدأ معها رحلة طويلة من الكفاح الوطني انتهت بقيام جمهورية الصين الشعبية، واستمرت حتى العصر الجديد الذي يشهد مواصلة مسيرة التنمية والابتكار وتعزيز مكانة الصين على الساحة الدولية.
لقد كان تأسيس الحزب الشيوعي الصيني محطة مفصلية في تطور تاريخ الصين الحديث، إذ بدأ الحزب منذ انطلاقته في استكشاف الطريق لإنقاذ الأمة الصينية، وقاد الشعب في نضاله من أجل التحرر الوطني والاستقلال وتوحيد البلاد. وتحمل الحزب، بوعي ومسؤولية تاريخية، مهمة قيادة مسيرة النهضة الوطنية، واضعا مصلحة الوطن والشعب فوق كل اعتبار.
ويوضح تاريخ الصين الحديث أنه بدون الحزب الشيوعي الصيني لما قامت الصين الجديدة. فمنذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، حققت البلاد إنجازات كبيرة في مختلف المجالات، جذبت أنظار العالم، وذلك في ظل قيادة الحزب ورؤيته بعيدة المدى.
ولعل من أبرز إنجازات الحزب تحقيق التنمية المستدامة، وتحسين مستوى معيشة المواطنين بصورة كبيرة، والقضاء على الفقر المدقع، حيث تمكنت الصين من انتشال مئات الملايين من السكان من دائرة الفقر، في واحدة من أكبر عمليات مكافحة الفقر في التاريخ. كما نجحت في تقليص الفجوة في مستويات المعيشة بين سكان الحضر والريف، وتشكيل أكبر شريحة من ذوي الدخل المتوسط في العالم.
ولم تقتصر النهضة الصينية على الداخل، بل امتدت إلى الخارج من خلال تقديم الدعم والمساعدة للدول النامية والأقل نموا، والمساهمة في مشاريع التنمية والبنية التحتية، بما يعكس رؤية تقوم على التعاون والمنفعة المتبادلة وتحقيق التنمية المشتركة.
ومع استمرار مسيرة التنمية، أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر دولة صناعية، وصاحبة أكبر احتياطي من النقد الأجنبي، كما تعاظم تأثيرها الدولي بصورة ملحوظة، وأصبحت شريكا رئيسيا في الاقتصاد العالمي، بفضل السياسات التي انتهجها الحزب الشيوعي الصيني وقيادته.
وفي الوقت نفسه، تتحرك الصين بخطى متسارعة نحو بناء اقتصاد أكثر اخضرارا وصداقة للبيئة، مع التزامات واضحة بحماية البيئة، والتوسع في استخدام الطاقة النظيفة، والحفاظ على التنوع الإيكولوجي، وتطوير الصناعات الخضراء، الأمر الذي انعكس إيجابا على تحسن البيئة وارتفاع معدلات تغطية الغابات.
ومن أهم الأسباب التي مكنت الحزب الشيوعي الصيني من تجاوز التحديات والاستمرار في النمو والتطور، قدرته على الجمع بين النظرية والتطبيق، وبين المبادئ والواقع العملي. فقد أكد الرفيق شي جين بينغ أهمية دراسة الواقع واستيعاب المتغيرات، وتطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، من خلال الجمع بين المبادئ الأساسية للماركسية والواقع الملموس للصين، والاستفادة من التراث والثقافة الصينية في بناء نموذج تنموي متجدد.
كما شدد الرفيق شي جين بينغ على ضرورة أن يظل مسؤولو الحزب بعيدين عن المصالح الشخصية، وأن يكرسوا جهودهم لخدمة الشعب وتحسين مستوى معيشته، باعتبار أن خدمة المواطنين تمثل جوهر رسالة الحزب وأساس شرعيته.
ومن أبرز السمات التي تميز الحزب الشيوعي الصيني عن غيره من الأحزاب السياسية، امتلاكه الشجاعة في ممارسة الإصلاح الذاتي، ومراجعة الأداء باستمرار، بما يضمن مواكبة المتغيرات ومعالجة التحديات. وقد أسهم نجاح سياسة الإصلاح والانفتاح في إدخال الاشتراكية ذات الخصائص الصينية إلى مرحلة جديدة، وعزز ثقة كثير من شعوب العالم بإمكانية تحقيق التنمية والاستقرار من خلال التعاون والانفتاح.
وتؤكد الصين باستمرار أنها لا تسعى إلى الهيمنة أو قيادة العالم كما تروج بعض القوى الغربية، وإنما تنتهج سياسة تقوم على المساواة بين الدول، واحترام سيادتها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام خصوصيات الشعوب وتنوع الثقافات، بما يسهم في بناء علاقات دولية أكثر توازنا وعدالة.
وقد لعب الرفيق شي جين بينغ دورا بارزا في تعزيز الحوار بين الأمم من خلال طرح مفهوم “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية”، وهي رؤية تدعو إلى أن يرتبط ازدهار كل دولة بازدهار الدول الأخرى، وأن يتحقق الأمن والتنمية عبر التعاون والشراكة، انطلاقا من أن العالم أصبح أكثر ترابطا من أي وقت مضى.
وفي خطابه أمام الدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد الرفيق شي جين بينغ أن الصين ستظل دائما من بناة السلام العالمي، ومساهمة في التنمية العالمية، ومدافعة عن النظام الدولي، ومقدمة للسلع العامة العالمية، كما ستواصل توفير فرص جديدة للعالم من خلال تنميتها الجديدة.
كما أكد أن تعزيز التعددية الحقيقية يمثل السبيل الأمثل لمعالجة التحديات العالمية، وأنه لا ينبغي لأي دولة أن تسعى إلى الهيمنة أو فرض إرادتها على الآخرين، بل يتعين على جميع الدول العمل معا من أجل تحقيق السلام والتنمية من خلال التعاون والاحترام المتبادل.
لقد بذل الحزب الشيوعي الصيني، منذ تأسيسه وحتى اليوم، جهودا كبيرة في دعم السلام والتنمية على المستوى العالمي، والدعوة إلى الاحترام المتبادل وتحقيق المنفعة المشتركة، إيمانا منه بأن مستقبل البشرية ينبغي أن يقوم على التعاون لا الصراع، وعلى الشراكة لا المواجهة.
وكما يقول المثل الصيني: “زهرة واحدة لا تعني حلول الربيع، في حين أن مئات الأزهار المتفتحة تجلب الربيع إلى الحديقة”.
ومن هذا المنطلق، تؤكد الصين استعدادها لمواصلة العمل مع جميع دول العالم من أجل تعزيز السلام والتنمية والازدهار المشترك، وستظل، وفق رؤيتها المعلنة، من بناة السلام العالمي، ومساهمة في التنمية العالمية، وشريكا في بناء عالم أكثر استقرارا وعدالة، يسوده التعاون ويخلو من الفقر والاستغلال.