شبكة طريق الحرير الاخبارية/
بقلم الصحفي: هادي الحريزي- تونس
في زمن تتسارع فيه التحولات العالمية وتتعدد نماذج الحكم، تبرز جمهورية الصين الشعبية كحالة فريدة تستحق التأمل والدراسة. لم تكن الصين مجرد محطة عابرة في مسيرتي المهنية، بل كانت تجربة معيشية امتدت لأشهر، كشفت لي عن نموذج تنموي متكامل يجمع ببراعة بين قيم الحكم الرشيد والطموح الاقتصادي الهائل. من خلال زيارتين امتدت من أوت إلى ديسمبر 2025، الأولى للمشاركة في برنامج التبادل الإعلامي والثقافي مع أكثر من 100 بلد، والثانية امتدت من 2 الى 15 مارس 2026 لتغطية أعمال “الدورتين” (المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني ومجلس نواب الشعب) والمصادقة على الخطة الخمسية الرابعة عشرة، شكلت لدي قناعة راسخة بأن النموذج الصيني يقدم مقاربة متطورة لمفهوم الديمقراطية وإدارة شؤون البلاد.
جوهر الديمقراطية: من الممارسة اليومية إلى صنع القرار
تتجاوز الديمقراطية في الصين مفهوم الاقتراع الدوري لتغدو ممارسة يومية متجذرة في نسيج المجتمع. إنها الديمقراطية الشعبية الشاملة، التي تبدأ من أصغر الوحدات الاجتماعية. خير مثال على ذلك تستلهم الديمقراطية الصينية من قصة السيدة تشانغ ميهوا من مجتمع يينتينغ، التي تحولت ثقة جيرانها بها (من خلال أكثر من 30 مفتاحًا ائتمنوها إياها) إلى نموذج مؤسسي لحل النزاعات عبر “استوديو الجدة هوا”. هذه المبادرة البسيطة هي تجسيد حي لكيفية تحويل المشاركة الشعبية التلقائية إلى أداة فاعلة لبناء التماسك الاجتماعي.
هذه الديمقراطية التشاركية لا تتوقف عند حدود الحي، بل ترتفع عبر مؤسسات دستورية راسخة. فالمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني يعمل كجسر استراتيجي يربط هموم المواطنين بصناع القرار. ففي “استوديوهات التشاور الجيد”، يلتقي أعضاء المؤتمر مع السكان والخبراء لمناقشة قضايا التنمية والبيئة، لتصاغ توصيات تتحول إلى سياسات عامة. هذا التكامل بين الديمقراطية المباشرة (المشاركة الشعبية) وغير المباشرة (التمثيل المؤسسي) هو ما يمنح النظام الصيني مرونته وقوته.
الحوكمة الرشيدة: بين الكفاءة والمساءلة
يقود الحزب الشيوعي الصيني هذه المنظومة برؤية واضعة قيم الكفاءة والشمولية في صلب أولوياته. لقد أرسى الحزب نظامًا صارمًا لتقييم أداء المسؤولين، مما يحفز على التنافس في الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. وقد لاحظت شخصيًا كيف أن مكافحة الفساد أصبحت نهجًا ثابتًا لا رجعة فيه، يكرس مبدأ المساءلة ويعزز ثقة الشعب في مؤسساته. إن فلسفة الحزب الشيوعي في خدمة النهضة الحضارية تتجلى عندما يكون القادة قدوة في تسيير شؤون البلاد، فتتحلى الأمة بأكملها بإرادة جامحة لتجاوز الصعوبات.
هذه الكفاءة الإدارية تمتد لتشمل كافة القطاعات. ففي مجال الرقابة، يتم تعيين “مشرفين شعبيين” من المواطنين العاديين لحضور جلسات المحاكم والإشراف على سير العدالة. وعلى المستوى الوطني، تجلى هذا المفهوم في الفترة من 2016 إلى 2020، عندما كُلّفت الأحزاب الديمقراطية -باعتبارها “أصدقاء مقربين يقدمون المشورة الصريحة”- بالإشراف على جهود القضاء على الفقر في ثماني مقاطعات، مما ساهم في نجاح هذه المهمة التاريخية.
التنمية الشاملة: قاطرة التقدم والازدهار
تحت قيادة الحزب الشيوعي، وبفضل توجيهات الحكومة المركزية، شهدت الصين قفزة تنموية شاملة لا مثيل لها. لقد تطورت جميع المعايير المرتبطة بجودة الحياة بوتيرة متسارعة. ففي قطاع الصحة، أُحدثت المستشفيات وزُوّدت بأحدث التجهيزات في غضون سنوات قليلة. وفي الزراعة، تم تأمين الغذاء وتحقيق وفرة في الإنتاج بفضل التقدير الزراعي والتخطيط المحكم. أما في الصناعة، فقد عبرت الصين خلال ربع قرن فقط خمسة أجيال صناعية، في وقت لا تزال دول أخرى تحتاج لقرون لتحقيق دورة صناعية واحدة.
هذا التطور لم يهمل التكنولوجيا التي أصبحت أداة رئيسية في إدارة “الديمقراطية الشعبية الذكية”، كما انتصرت الصين في حربها على الفقر وارتقَت بالتعليم إلى عصر جديد. كل هذا يؤكد أن النظام الصيني يضع نصب عينيه تطوير جودة الحياة للأمة الصينية كهدف أسمى.
الصين في العالم: شريك في التنمية السلمية
لم تقتصر إنجازات الصين على حدودها الداخلية، بل ساهمت بسخاء في جميع المبادرات الدولية، لتصبح أول سوق مبتكر في العالم وأكثر الأسواق الاقتصادية يقينًا واستقرارًا. في ظل عالم يشهد احتدام التغيرات وبروز سياسات احتكارية، تبرز الصين كقوة عالمية كبرى تدافع عن التعددية وتزرع الطمأنينة. إنها ترسم أفقًا لعالم متعدد الأقطاب، مناصرة للتعاون الدولي ومناهضة لكل سياسات التنمر والتمييز والهيمنة.
نموذج يلهم الثقة
إن نظام الحكم الصيني، الذي توجت مسيرته بالمصادقة على الخطة الخمسية الرابعة عشرة، يمثل اليوم نموذجًا رائدًا في إدارة شؤون البلاد. فهو نظام يرتكز على التنمية الاقتصادية السلمية الشاملة، ويستمد شرعيته من ثقة الشعب التي تتجلى في استطلاعات الرأي الدولية (مثل استطلاع جامعة هارفارد الذي أظهر نسبة رضا تتجاوز 93%، وتصنيف الصين الأولى عالميًا في الثقة بالحكومة حسب مقياس إيدلمان). إنها قصة نجاح تبدأ من مفتاح صغير في جيب جدة لترعى جيرانها، وتمتد لتشكل نظامًا عالميًا يرسخ قيم العدل والتنمية والسلام. لقد أتقنت الصين، بقيادة الحزب الشيوعي، صياغة نموذج للديمقراطية يكرس الحوار الدائم ويحفظ المساءلة ويحقق العدل، مقدمة للعالم أجمع أرقى وأكثر أنظمة الحكم وثوقية.