عولمة جديدة بنكهة صينية

img

صحيفة الغد/

د. صبري الربيحات*

من استمع إلى حديث وتصريحات الرئيس الأميركي قبل ثلاثة أسابيع ظن أن الولايات المتحدة في منأى عما حدث للصين وأنه غير معني بالوباء الذي كان يفتك بشعوب العالم بعد أن اجتاح العديد من المقاطعات والمدن في الجناح اللاتيني من القارة الأوروبية وأخذ يتمدد في المدن الإيرانية والكورية. في تلك الأيام وصف ترامب الوباء بالفيروس الصيني وألقى باللوم على أوروبا كونها فشلت في وقف تمدد الوباء وانتشاره وأعلن لاحقا بأنه سيوقف الرحلات الجوية والانتقال من وإلى أوروبا.


الاعتقاد الذي هيمن على فكر وتصورات ترامب بأن الخطر يقع خارج الحدود، وأن بلاده لا ولن تقع ضحية لهذا الوباء، لم يصمد طويلا بعد أن شهد الاقتصاد الأميركي سلسلة من الهزات والارتدادات المتتالية أثرت على السوق المالي وتزامنت مع ارتفاع في أعداد الإصابات والتوقف الجزئي للعمل وإغلاق بعض المنشآت وظهور الحاجة لتدخل حكومي طارئ لدعم الاقتصاد ووقف أو إبطاء الانهيار الذي قد ينجم عن تدهور الأوضاع.


في فترة قياسية أصبحت الولايات المتحدة البلد الأكثر تأثرا بانتشار الفيروس من حيث أعداد المصابين وآثاره على اقتصادها بصفتها الدولة الأغنى والأكبر اقتصادا في العالم. اليوم تجاوز عدد الإصابات في أميركا كلا من الصين وإيطاليا، حيث بدا واضحا حجم التأثير الذي أوقعه الوباء على الاقتصاد الذي حقق إنجازات خيالية خلال السنوات الثلاث الأخيرة.


اليوم وللمرة الأولى منذ دخوله البيت الأبيض يتحدث الرئيس الأميركي عن المكسيك بلغة إيجابية مشيدا بقياداتها السياسية وقرارها نشر 7000 جندي مكسيكي على الحدود مع الولايات المتحدة. وبلهجة غير اعتيادية تحمل شيئا من التقدير والاحترام، يصف الرئيس الأميركي محادثته مع الرئيس الصيني واتفاقهما على العمل معا للتغلب على هذا الوباء العالمي.


خارج الولايات المتحدة تعمل الأمم على امتداد القارات على مواجهة أزمة مشتركة حيث يبذل الجميع أقصى ما بوسعهم لمجابهة الأخطار التي تهدد الجنس البشري وتلوح بالقضاء عليه. إلى جانب الجهود الوطنية التي تقوم بها الأقطار يتطلع الجميع بالكثير من الأمل والرجاء لما قد يتولد عن الجهد العالمي من اختراقات على هيئة علاجات أو أمصال أو تكنولوجيا طبية تساعد في السيطرة على أخطر جائحة واجهها العالم منذ قرون.


ففي أميركيا والصين وأوروبا واليابان يسعى الباحثون والعلماء إلى التعرف على طبيعة وأسباب وطرق العدوى والانتقال والتأثير في محاولة لاكتشاف العلاج الذي قد يمكن البشرية من القضاء عليه أو الحد من انتشاره وتأثيره.
وسط هذه الأزمة واندفاع الجميع نحو التعاون والتنسيق تبدو النزعة الانعزالية التي سادت المسرح السياسي العالمي في طريقها إلى التلاشي والزوال. الكثير من الغطرسة والتجبر والتعالي الذي ميز سلوك ومواقف بعض قيادات العالم في الأعوام السابقة أخذ يتلاشى كنتيجة للإحساس الإنساني المشترك بالخطر. الأخبار التي توالت عن وجود أنجيلا ميركل في الحجر وإصابة كل من ولي العهد البريطاني ورئيس الوزراء بوريس جونسون يشير إلى أن لا فرق بين غني وفقير، وأمير وخفير أمام هذا الفيروس.


الزعماء والقادة والساسة يحاولون الحفاظ على هدوئهم ورباطة جأشهم وسط تهديدات المرض وسرعة الانتشار واحتمالات فقدان السيطرة. المحاولات التي يقوم بها الجميع ريادية وغير مضمونة العواقب. في كل ما يجري اليوم لا يوجد تجربة عالمية ناجزة ومطمئنة غير التجربة الصينية. على جنبات المحيطات الخمس يتساءل الجميع عن سر النجاح الصيني في السيطرة على الوباء الذي أصاب أكثر بلدان العالم سكانا وأكثرها انضباطا وحزما.
القدرة التي أظهرها النظام الصيني في السيطرة على الوباء ومد يد العون للعالم والدول المنكوبة عوامل مهمة في تشكيل الصورة الجديدة للصين كقوة اقتصادية وسياسية وإنسانية جديرة بالبقاء والقيادة والتأثير وتمنحها مكانة متقدمة في عالم التكافل والتضامن الإنساني الجديد والبعيد عن وحشية الرأسمالية وثوب العولمة الاقتصادية الأمنية الذي أسبغته على العالم.

الكاتب خليل

خليل عبد القادر
خليل

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “عولمة جديدة بنكهة صينية”

  1. الاكاديمي مروان سوداح - الاردن

    معالي السيد صبري ربيحات وزير وشخصية اردنية محترمة ويتسم بالانسانية واللطف والمهنية الرفيعة المستوى في عمله.. وهو محبوب للغاية في وطنه الاردن لخصاله الراقية….

اترك رداً