شبكة طريق الحرير الاخبارية/
د. علاء سليمان الديك
باحث وأكاديمي بالشأن الصيني والدولي
أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته إلى الولايات المتحدة من 23 إلى 25 سبتمبر 2026، على “ضرورة إستقرار العلاقة الإستراتيجية بين البلدين من خلال المنافسة السليمة على اساس الإحترام المتبادل، تعزيز المساواة والإنصاف، إدارة الخلافات بالتشاور، تجنب الصراعات وإحترام السيادة، وبناء السلام عبر تعزيز الثقة المتبادلة”. وعليه، جاءت أهمية هذا المقال لإستشراف مخرجات تلك القمة وتأثير ذلك على الملفات الإقليمية والدولية المعاصرة، خاصة وأن العالم يمر في مرحلة من عدم الإستقرار السياسي والأمني والتنموي والإقتصادي نتيجة تفاقم الحروب والنزاعات. ونستطيع القول أن بكين وواشنطن لاعبِين رئيسِيِّين باعتبارهما دولتين كبيرتين وذوي ثقل سياسي وعسكري وإقتصادي وتكنولوجي فعال، وتتحملان مسؤولية تاريخية مهمة تتمثل في تعزيز التنمية والتقدم للبشرية، وبالتالي فإن العلاقة المستدامة بينهما سيكون لها إنعكاسات إيجابية على الأخرين، وهذا منطقي. لذلك، لا بد من تقييم وتسليط الضوء على السياسات الخارجية لكلا البلدين، وإنعكاس ذلك على مستقبل العلاقات الدولية في إطار المنظومة الدولية، والسعي لحل القضايا الإقليمية والدولية ذات الصلة لاحقاً.
العلاقات الثنائية
إستناداً إلى أسس العلاقات الدولية فمن الطبيعي ان تكون العلاقة بين الطرفين قائمة على الإحترام المتبادل، وأن تكون المنافسة سليمة، وأن يتم إحترام الخلافات وتعزيز الثقة المتبادلة عبر الحوار، وصولاً للتعاون الجاد والسعي لحل معظم القضايا الدولية العالقة التي تسهم بتحقيق الإستقرار عند الأخرين وبالتالي تعزيز السلام والتنمية المستدامين. في المقابل، نرى أن واشنطن مازالت تنظر للصين كمنافس يجب التغلب عليه، لذلك نجدها تعمل ليل نهار من أجل الحفاظ على التحالفات في النظام الدولي بهدف تعزيز الأحادية عبر الهيمنة وتعزيز النفوذ والسيطرة، ناهيك عن عدم تعاونها مع المبادرات الصينية (الأمن والحوكمة) لحل النزاعات والقضايا العالقة إقليمياً ودولياً، وعليه فإن الظاهر للعلن والمخفي أيضاً هو إستدامة عالم مضطرب لخدمة طرفاً يريد أن يبقى مسيطر على حساب حقوق أطراف أخرى. ناهيك عن دعم ومطالبة واشنطن بإستقلال تايوان، الأمر الذ ي تعتبره بكين مرفوضاً وتدخلاً في شؤونها الداخلية، وتطالب واشنطن التعامل مع الأمر بحكمة وجدية وإحترام سيادة الصين ووحدتها وفق القانون الدولي ومرجعياته. من جهة أخرى، تؤكد بكين على بناء شراكات مستدامة على أساس إحترام سيادة وحقوق كل الدول بصرف النظر عن حجمها أو ثروتها، ورفض التحالفات أو التدخل في شؤون الغير أو الإعتداء، وحل كل النزاعات بالطرق السلمية ووفقاً للقانون الدولي، إضافة للتمسك بالمنظومة الدولية كمرجعية للحفاظ على أسس العلاقات الدولية الصحيحة على قاعدة الحوكمة والعدالة الدولية، وصولاً لتحقيق الفوز والمصير المشترك على اساس المساواة والمنفعة المتبادلة دون إستثناء.
على الصعيد الدولي
لقد طرحت بكين وبشكل فعال عدة مبادرات حيوية (الحزام والطريق، التنمية، الأمن، الحضارة، والحوكمة) لمواجهة التحديات الدولية في قطاعات الأمن والتنمية والحوكمة، وذلك بهدف تعزيز التعاون متعدد الأطراف ورفض التكتلات والهيمنة. كذلك، أسست منظمات دولية بهدف تحقيق السلام والتنمية المستدامين (بريكس، منظمة شنغهاي للتعاون، النبك الأسيوي للإستثمار في البنية التحتية، المنظمة الدولية للوساطة، وغيرهما)، شريطة أن تكون تلك المنظمات مكملة ومساندة للمنظمات الدولية الأخرى وليست بديلاً عنها. إضافة لذلك، تؤكد بكين على ضرورة الإلتزام بالقانون الدولي وبمؤسسات النظام الدولي، وبهذا الصدد تطالب بتعددية الأطراف على اساس التعاون والعمل المشترك الفعال ورفض الأحادية وتعزيز النفوذ. في المقابل، تسعى واشنطن لإستخدام المؤسسات الدولية (البنك الدولي وغيره) لتعزيز النفوذ وإنفاذ السيطرة على الدول الأخرى، ناهيك عن حرمان الأخرين من العدل والمساواة في التعامل، خاصة مع دول الجنوب وغيرهما. كذلك، سعي واشنطن لإضعاف المنظومة الدولية وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي بهدف الحفاظ على الأحادية في النظام الدولي، وذلك من أجل إجهاض التعاون متعدد الأطراف بين الدول الأعضاء وتعزيز التكتلات، وأيضاً تعزيز السيطرة على المنظومة الدولية لدعم الحلفاء. وأيضاً، رفض واشنطن التعاون مع بكين فيما يتعلق بالمبادرات الفعالة التي قدمتها الدبلوماسية الصينية بهدف حل المسائل الدولية العالقة، وبالتالي إمكانية تحقيق السلام والتنمية المستدامين. وعليه، فالتعاون الصيني الأمريكي لا يخدم مصالح شعبي البلدين فحسب، بل يترك تأثيراً على المشهدين السياسي والاقتصادي العالميين.
على الصعيد الإقليمي
تلتزم بكين بالسعي لتحقيق الأمن والإستقرار والإزدهار في منطقة الشرق الأوسط، حيث تؤكد على ضرورة إحترام سيادة الدول وعدم الإعتداء ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، ناهيك عن رفض الإحتلال الأجنبي وإحترام حق تقرير المصير للشعوب المحتلة وفق القانون الدولي، مثل الإلتزام بعدالة القضية الفلسطينية “بحزم وثبات”. كذلك، تسعى بكين لتعزيز الوحدة والتضامن والتكامل بين الأطراف كافة في المنطقة، وذلك بهدف التخلص من خطاب الكراهية وإنهاء حالة الإحتقان الداخلي والنزاعات، حال إيران وبعض دول الإقليم، تردي الأوضاع الأمنية لبعض دول المنطقة بسبب إضطراد الصراعات والإنقسامات، حال ليبيا، اليمن، السودان، العراق، فلسطين، لبنان، سوريا، وغيرهما. في المقابل، تسعى واشنطن لدعم الحلفاء في المنطقة وفي مقدمتهم إسرائيل، وتغذي حالة عدم الإستقرار بين دول المنطقة عبر بناء تكتلات وتحالفات إقليمية تهدف لتعزيز سيطرتها على المنطقة، وإفشال أي محاولة للوحدة والتكامل والتضامن بين الأطراف كافة، حيث تقوم بشن حرب مفتوحة على إيران دون تفويض دولي، ناهيك عن سعيها لتشكيل تكتل يضم دول عربية وأفريقية وغربية للدخول في حالة حرب مع إيران بهدف زعزعة الإستقرار الإقليمي والمصالحة الوطنية. إضافة لذلك، تتجاهل عدالة القضية الفلسطينية وتدعم إسرائيل بحربها المفتوحة على الشعب الفلسطيني، عسكرياُ وسياسياً ومادياً، وفي أروقة الأمم المتحدة تلتزم بإستخدام “الفيتو” عندما يتعلق الأمر بتعزيز وتجسيد حقوق الفلسطينيين، أو أي قرار دولي يلزم إسرائيل بالتنفيذ، ناهيك عن عدم السماح بإدانة إسرائيل أو فرض عقويات عليها عند تجاهلها للقانون الدولي.
على الصعيد العربي
مازالت واشنطن تسعى لخلق تكتلات وتحالفات على الصعيد العربي، ناهيك عن تدخلاتها المباشرة بالشؤون الداخلية للبعض منها، إلى جانب تجاهلها لإحترام حق تقرير المصير وتجسيد حقوق الأخرين، مثل فلسطين وغيرها. إضافة لذلك، السعي لخلق تحالف جديد في المنطقة ضد إيران والحوثي وغيرهما، على إعتبار أنها تدافع عن المصالح العربية المتشتركة وحماية أمنها، والواضح للأعيان أنها تتجاهل حث جميع الأطراف على التمسك بالخيارات السلمية للخروج من الأزمة الحالية بدلاً من توسيعها لتكون حرب إقليمية شاملة، وعندئذ تهديد الأمن والسلم الدوليين. كذلك، ترفض وتتجاهل واشنطن حل القضية المركزية في المنطقة “قضية فلسطين”، وتدعو دول المنطقة للإعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات طبيعة معها دون حل القضية الأساس، الأمر الذي يتنافى مع مخرجات مبادرة السلام العربية التي أقرتها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بالإجماع عام 2002. في المقابل، تسعى بكين “بحزم وثبات” لدعم عدالة القضية الفلسطينية وإنهاء الإحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، وتدعم أيضاً أمن وإستقرار وإزدهار شعوب المنطقة للحفاظ على مكتسباتهم الوطنية عبر إحترام سيادة الدول وحقوقها ورفض الإعتداء أو التدخل في شؤونها. فالصين والدول العربية شركاء إستراتيجيون في مبادرة “الحزام والطريق” ويسعون لبناء مجتمع المصير المشترك، وهذا ما أكدته مخرجات القمة العربية الصينية الأولى في الرياض عام 2022، ونتائج القمم والزيارات والمحافل المشتركة على كافة الصعد وفي مختلف القطاعات. وعليه، موقف الصين الموضوعي يؤدي دوراً بناءاً في تهدئة الأوضاع والسعي لحل كافة القضايا بهدف الحفاظ على مسيرة السلام والإستقرار والإزدهار لدول وشعوب المنطقة.
على الصعيد الفلسطيني
فالموقف الصيني حيال القضية الفلسطينية ثابت ومستمر لدعم عدالة الحقوق والأهداف الفلسطينية منذ مؤتمر باندونغ منذ عام 1955، الذي رفض الإستعمار، وأكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها، ودعم حركات التحرر الوطني، وإحترام سيادة الدول ورفض الإحتلال الأجنبي، وطالب بضرورة تعزيز السلام والتعاون الدولي وفق مرجعيات ومبادئ القانون الدولي. كذلك، حافظت بكين على موقف حازم في المحافل الدولية وقمم المنظمات الدولية تجاه عدالة القضية الفلسطينية وضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، ورفضت كل اشكال الإحتلال وإجراءاته اليومية في فلسطين، معتبره القضية الفلسطينية هي القضية المركزية لإحلال الأمن والسلام والإستقرار في المنطقة. في المقابل، مازالت واشنطن تتجاهل الحقوق الفلسطينية في كل المحافل وتدعم إسرائيل بكل الوسائل والإمكانيات إقليمياً ودولياً، ناهيك عن عدم الإلتزام والتعاون مع بكين والإجماع الدولي لتطبيق قرارات الشرعية الدولية على فلسطين. فلسطينياً، مازال الساسة الفلسطينيون يراهنون على الموقف الأمريكي والغربي لتحقيق أهدافهم الوطنية، ولا يهتمون بمواقف الدبلوماسية الصينية حيال قضيتهم إلا بالمواقف التقليدية التي إعتدنا عليها، تارةً يثمنون ويرحبون دون تقديم أي مبادرات للبناء على الموقف الصيني ومتابعته، وتارةً يطالبون بكين بموقف مساند للخروج من أزمة طارئه على الساحة الدولية. إضافة لإضطراد حالة الإنقسام الداخلي وغياب حوكمة وشرعية المؤسسات، وبالتالي غياب حالة التكامل والتضامن والوحدة بين الفلسطينيين أنفسهم، الأمر الذي يعتبر أحد أهم المعيقات أمام نجاح أهداف الدبلوماسية الصينية تجاه حل القضية الفلسطينية مستقبلاً مع الأطراف والقوى الدولية.
المحصلة
من المنطقي أن إستقرار العلاقة الإستراتيجية البناءة بين بكين وواشنطن على أساس الاحترام والإنصاف والمعاملة بالمثل، سيساهم في إحداث نقلة نوعية في مستقبل العلاقات والمنظومة الدولية على المستويات كافة، مما سينعكس على المشهدين السياسي والإقتصادي الدوليين بالعدل والإنصاف، ونجاح مسيرة التنمية والسلام المستدامين. فالتفاؤل بهذه الزيارة من قبل القيادة والأمة الصينية جاءت نتيجة ما قدمته بكين من مساهمات كالمبادرات والمقترحات والأفكار التي تتسم بالإنفتاح بهدف معالجة الأسباب الجذرية لحل كل المسائل، سواء على مستوى العلاقات الثنائية في المجالات كافة، أو على مستوى حل كل المشكلات الدولية والإقليمية الرئيسية عبر تعزيز التنسيق والتعاون والحوار. في المقابل، وعلى الرغم من الترحيب الأمريكي بالزيارة والإشادة بالتفاهمات التي أعقبتها، إلا أن مصداقية واشنطن تبقى على المحك، وهذا يعني أن الكرة في ملعبهم، فيجب أن يتم إحترام سيادة الصين وسلامة أراضيه، والكف بالمطالبة بإستقلال تايوان. وفيما يتعلق بالعلاقات الإقتصادية والتجارية بين البلدين، فلا بد من تعزيز ثقة الأسواق، وهذا سيعود بالنفع على الشعوب ومسار التنمية والصناعات، وبالتالي المساهمة الفاعلة في دعم وإستقرار الإقتصاد العالمي. أضف لذلك، تعزيز التعاون وحل الخلافات بالتشاور وتجنب الصراعات، وهذا يتطلب إحترام العلاقات الثنائية والدولية ومكانة كل دولة، وعندئذ تعزيز المنظومة الدولية كمرجعية تعددية لا أحادية، وحل كل المسائل الدولية والإقليمية العالقة وفق القانون الدولي وعلى أساس العدل والمساواة والمنفعة للجميع. وعليه، سيبقى الرهان على موقف واشنطن، ومدى جديتها لتطبيق ذلك على مستوى تطوير العلاقات الثنائية والتعاون الجدي لحل كافة المسائل الدولية.
*ملاحظة المحرر: تعبر هذه المقالة عن وجهة نظر الشخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة CSRNN.