شبكة طريق الحرير الإخبارية/
مصدر: مجلة الصين اليوم/
في الثلاثين من مايو عام 2026، حلت الذكرى السنوية السبعون لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر. في صباح ذلك اليوم، كانت خيوط الشمس الأولى في القاهرة تنساب على صفحة النيل، فتتلألأ مياهه ببريق ذهبي آسر، تماما كما بدت لي حين وطئت قدماي هذه الأرض للمرة الأولى. جلست إلى جوار النافذة، وفتحت على حاسوبي مجلدات متخمة بمواد المقابلات التي تراكمت على مدى السنين، فإذا بالمقالات والتقارير تتوالى أمام عيني واحدا تلو الآخر. ثلاث مرات أقمت في مصر بصفتي مراسلا مقيما، وقد تجاوز مجموع سنوات إقامتي فيها خمسة عشر عاما، جبت خلالها البلاد شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وخطت أناملي مئات التقارير والمقالات بمختلف أنواعها. وفي تلك اللحظة، بدت لي كل تلك الكتابات وكأنها فيلم وثائقي نسجته الكلمات، تتفتح مشاهده أمام عيني رويدا رويدا.
من قرى النوبة في أقصى جنوبي مصر على الحدود مع السودان، إلى الإسكندرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط في الشمال؛ ومن سواحل البحر الأحمر الممتدة بمحاذاة شبه جزيرة سيناء، إلى الصحارى الشاسعة في الغرب حيث تلامس الأرض المصرية تخوم ليبيا، كنت أجوب هذه المسافات الطويلة بسيارة جيب رباعية الدفع، لا تفارقني الكاميرا ولا الحاسوب المحمول، ولا دفتر الملاحظات الصحفية. وبين لهيب الشمس وهبوب الرمال ونسائم البحر، ظللت على مدى سنوات أتنقل من مكان إلى آخر، ثم أعود إلى شاشة الحاسوب لأخط بأناملي، قصة بعد أخرى، فصولا جديدة من حكاية التعاون بين الصين ومصر.

بين الصحراء والواحات.. سطور ترسم وجوه الجمال المتنوع على أرض مصر
حين وصلت للمرة الأولى إلى الحدود المصرية- السودانية، هزني المشهد أمامي بقوة. هناك، في أقصى جنوبي مصر، تمتد الصحراء إلى ما لا نهاية، فلا يكاد يفصل بين صفرة الرمال وزرقة السماء شيء، ويغمر المكان اتساع مهيب يجعل الإنسان يشعر بضآلته أمام رحابة الكون. لكن ما إن اتجهت شمالا حتى أطلت فجأة واحات النيل الخضراء على جانبي الطريق، في تناقض أخاذ مع الصحراء الممتدة، وكأن الخالق أراد أن يكشف في هذا المكان تحديدا عن تلك القدرة العجيبة للحياة على الصمود والتجدد.
في أسوان، وقفت ذات مرة على ضفة النيل أرقب المراكب الشراعية ذات الصواري الثلاثة وهي تنساب ببطء تحت وهج الغروب، وقد اكتست أشرعتها بلون ذهبي ساحر. وفي الإسكندرية، كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط تتكسر على أسوار مدينة عتيقة يعود تاريخها إلى أكثر من ألفي عام، فيما يحمل نسيم البحر مزيجا من ملوحة الماء وعبق التاريخ. أما في شبه جزيرة سيناء، فقد عبرت طرقا جبلية وعرة بحثا عن أديرة قديمة تتوارى بين الأودية؛ وفي الصحراء الغربية الممتدة عند الحدود المصرية- الليبية، كانت الكثبان الرملية المتتابعة تعيد تشكيل ملامحها مع كل هبة ريح، حتى يخيل للمرء أنه انتقل إلى عالم آخر.
خمسة عشر عاما قضيتها على هذه الأرض، قطعت خلالها طرقا لا تحصى، وخطت أناملي فيها صفحات كثيرة. كان لكل مكان سحره الخاص، ولكل مقابلة أثرها الذي يزيد فهمي لمصر عمقا واتساعا. فمصر ليست الأهرامات وأبا الهول فحسب، بل هي أرض تتعدد وجوه جمالها وتتنوع ملامحها؛ ففي الجنوب، ما زالت القرى النوبية تحتفظ ببساطة الحياة وصفائها، وفي الشمال تنبض مدن البحر الأبيض المتوسط بإيقاع هادئ يحمل مسحة أوروبية، أما شبه جزيرة سيناء في الشرق فتحفظ بين جبالها ووديانها ذاكرة الديانات السماوية الثلاث، بينما تختزن صحارى الغرب حكمة البدو وخبرتهم في التعايش مع بيئة قاسية توارثوها عبر آلاف السنين.

كتبت عن السد العالي في أسوان وكيف روض فيضانات النيل، ووثقت كيف دبت الحياة من جديد في قرى الصيادين على ساحل البحر الأحمر مع ازدهار السياحة. ووصفت هيبة معبد الأقصر تحت ضوء القمر، كما نقلت صخب بسطات التوابل في أزقة القاهرة القديمة. ولم تكن تلك التقارير مجرد تسجيل لمشاهد الحياة وعادات الناس في مصر، بل كانت أيضا شواهد حية على الصداقة الصينية- المصرية في أصدق صورها الشعبية؛ فما من مقابلة ميدانية متعمقة أجريتها إلا وكان وراءها عون صادق وحفاوة دافئة من أصدقاء مصريين، وما من تقرير خطته أناملي إلا وحمل بين سطوره تأملا عميقا في تلك المودة البسيطة والصادقة التي تجمع بين الشعبين.
من مواقع البناء إلى مناطق التعاون.. نبض التنمية المشتركة وفصول جديدة في مسيرة التعاون الصيني- المصري
إذا كانت طبيعة مصر المتنوعة قد أدهشتني بسحرها الأخاذ، فإن ما شهدته من تعاون بين الصين ومصر في مجال البناء والتنمية يمنحني، في كل مرة، شعورا عميقا بالفخر.
زرت مرات عديدة العاصمة الإدارية الجديدة، التي تشق طريقها وسط الصحراء على بعد نحو خمسين كيلومترا من شرقي القاهرة. هناك، نهضت مدينة حديثة في قلب الرمال، ومن أبرز معالمها البرج الأيقوني الذي يبلغ ارتفاعه 8ر385 مترا. ويعد “أطول مبنى في أفريقيا”. وحين وقفت ذات مرة في أعلاه، ورحت أتأمل المشهد من حولي، بدا لي وكأن الصحراء والمدينة تتعانقان في نقطة واحدة، وكأن الماضي والحاضر يلتقيان في مشهد يصعب وصف أثره بالكلمات. ويضم مشروع منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة، الذي تنفذه شركة هندسة البناء الصينية بمصر التابعة لشركة هندسة البناء الصينية، عشرين مبنى شاهقا. وقد وصف رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي المشروع بأنه أكبر مشروع تنفذه شركة صينية في مصر، وأنه يعكس المستوى المتميز للتعاون بين البلدين. وكتبت يومها في تقريري أن هذا البرج لم يغير أفق أفريقيا العمراني فحسب، وإنما أيضا صار معلما شامخا يجسد الارتفاع الجديد الذي بلغته الصداقة بين الصين ومصر.
وعلى شاطئ البحر الأحمر، تكتب منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر “تيدا السويس” فصلا آخر من فصول هذه المسيرة اللافتة. حين وطئتها للمرة الأولى قبل خمسة عشر عاما، لم تكن أمامي سوى أرض قاحلة تمتد في صمت؛ أما اليوم، فقد تبدل المشهد تماما. فحتى نهاية عام 2025، استقطبت المنطقة نحو مائتي شركة وتجاوز حجم الاستثمارات الفعلية فيها 8ر3 مليارات دولار أمريكي، كما وفرت بصورة مباشرة نحو عشرة آلاف فرصة عمل للسكان المحليين. ومن بين الشركات العاملة فيها، تبرز شركة “جيوشي مصر” لصناعة الألياف الزجاجية، التي استفادت من التكنولوجيا الصينية المتقدمة وأسهمت في دفع مصر إلى المرتبة الرابعة عالميا في إنتاج الألياف الزجاجية، وسدت فجوة كانت قائمة في هذه الصناعة على مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا. واسم “العين السخنة”، حيث تقع منطقة التعاون، يعني في العربية “النبع الحار”؛ واليوم، يبدو التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر في هذه البقعة وكأنه نبع متدفق لا ينضب، يفيض بالحيوية والدفء، ويمد مسيرة التنمية المشتركة بطاقة متجددة.
كما تابعت في تقاريري مشروع شركة تشونغمان مصر، وهي تشق في قلب الصحراء مئات الآبار، فتنبثق المياه الصافية من جوف الأرض وتدب الحياة في التربة العطشى، فتكتسي الحقول بحلة خضراء بعد طول جفاف. وكتبت كذلك عن محطة كوم أمبو للطاقة الكهروضوئية في أسوان، التي شيدتها شركة صينية ودخلت حيز التشغيل لتضيء بيوت أكثر من 250 ألف أسرة مصرية؛ كما شهدت بنفسي اكتمال القمر الاصطناعي المصري “مصر سات- 2” في مركز التجميع والتكامل والاختبار بوكالة الفضاء المصرية، الذي أقيم بمساعدة صينية.
وعلى مدى أربعة عشر عاما متتالية، ظلت الصين أكبر شريك تجاري لمصر. ومع التآزر المتزايد بين مبادرة “الحزام والطريق” و”رؤية مصر 2030″، أخذت هذه الأرض العريقة تخطو بخطى أسرع على طريق التحديث والتنمية. وفي كل مقابلة أجريها، ومع كل مشروع أراه ينتقل من المخطط إلى الواقع، كان يترسخ في داخلي شعور واحد، وهو أن التعاون بين الصين ومصر تجاوز منذ زمن بعيد العلاقة التقليدية بين مانح للمساعدة ومتلق لها، وأصبح مسيرة مشتركة يلتقي فيها الطرفان على قدم المساواة، ويتقاسمان ثمار المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة.
من النيل إلى اليانغتسي.. لحن خالد في حوار الحضارتين
على مدى سنوات عملي مراسلا في الخارج، لم تكن أكثر القصص التي مست قلبي تلك التي تدور حول المشروعات العملاقة، بقدر ما كانت تلك الحوارات الهادئة والعميقة بين الحضارات؛ حوارات بلا تصخب، لكنها تنفذ إلى القلب وتترك فيه أثرا لا يزول.
في عام 2018، وقع معهد الآثار التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ووزارة السياحة والآثار المصرية ((اتفاقية مشروع التنقيب الأثري الصيني- المصري المشترك في معبد مونتو بالأقصر)). ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى سنوات، عمل علماء الآثار الصينيون والمصريون جنبا إلى جنب في موقع معبد مونتو بالكرنك في الأقصر. وهناك، امتزج حفيف المسطرينات الصغيرة وهي تكشط طبقات التراب، بالرنين الحاد لمجارف الحفر وهي تلامس الرمل والحصى، وتعانقت هذه الأصوات مع أحاديث تتردد باللغات الصينية والعربية والإنجليزية، في مشهد حي تتجاوز فيه الحضارتان حواجز اللغة لتلتقيا على أرض التاريخ.
وفي يناير عام 2026، كشفت البعثة الأثرية المشتركة عن أحدث ثمار أعمالها؛ إذ خرجت إلى النور بقايا معمارية لبحيرة مقدسة لم تكن معروفة من قبل، ومعها عشرات التماثيل لأوزوريس وقطع من النقوش الحجرية التي ظلت مطمورة تحت التراب زمنا طويلا. وكتبت يومها في تقريري، كان ذلك حصاد ثمانية أعوام من العمل الدؤوب، تجاوز خلالها علماء البلدين حواجز اللغة والثقافة، وثمرة يانعة أثمرها لقاء حضارتين عريقتين في رحاب التبادل والتعلم المتبادل.
والأكثر إثارة للإعجاب أن الصين ومصر تعملان معا على إعداد ملف مشترك لترشيح “نقوش بايخليانغ” و”مقياس النيل” لإدراجهما على قائمة التراث الثقافي العالمي. فـ”نقوش بايخليانغ” في حي فولينغ ببلدية تشونغتشينغ تحفظ سجلا هيدرولوجيا لنهر اليانغتسي يمتد لأكثر من ألف ومائتي عام، بينما ظل “مقياس النيل”، منذ القرن التاسع الميلادي، يؤدي دوره في رصد منسوب مياه النهر. أحدهما غابة من النقوش الحجرية ترقد تحت مياه اليانغتسي، والآخر مقياس عريق يقف في قلب النيل؛ تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، غير أنهما يلتقيان في حكمة إنسانية صاغها الإنسان على ضفتي نهرين عظيمين، في سعيه الدؤوب إلى فهم الماء والتعايش معه. وهذا هو أول مشروع صيني للترشيح المشترك عبر الحدود إلى قائمة التراث الثقافي العالمي. وكتبت في تقريري يومها، إن ما نحميه هنا ليس مجرد أحجار ونقوش ومقاييس، بل حكمة مشتركة تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ حكمة تعلم الإنسان كيف يتعايش مع الماء، وكيف يسخر المعرفة لخدمة المجتمع. إنها “مصافحة حضارية” تمتد عبر آلاف الكيلومترات، لا تستحضر حكمة الأسلاف في تدبير شؤون المياه فحسب، وإنما أيضا تفتح آفاقا أرحب للحوار والتلاقي بين حضارات الأنهار في العالم.
وفي عام 2026، الذي يصادف “عام التبادلات الشعبية بين الصين وأفريقيا”، عبرت فرقة أوركسترا سوتشو السيمفوني الجبال والبحار، لتحمل إلى ضفاف النيل أمسية موسيقية عامرة بعذب الألحان وتنسج بلغة الموسيقى التي لا تعرف حدودا جسرا جديدا للتبادل الحضاري والتعلم المتبادل. ومن موقع التنقيب في معبد مونتو، إلى ملف الترشيح المشترك لـ”نقوش بايخليانغ” و”مقياس النيل”، ومن أصداء الموسيقى السيمفونية إلى الإقبال المتزايد على تعلم اللغة الصينية في مصر، تتعدد صور التواصل الثقافي والحضاري وتتسع آفاقه يوما بعد يوم. وكلما تعمقت في هذه المشاهد، ازددت يقينا بأن جذور الصداقة الصينية- المصرية لا تضرب في أرض الاتفاقيات الحكومية والاستثمارات الاقتصادية وحدها، بل تمتد أعمق من ذلك، إلى ما يكنه الشعبان من احترام صادق لحضارة الآخر، وما يجمعهما من تقدير عميق لإرثين حضاريين عريقين التقيا عبر التاريخ، ولا يزالان يفتحان معا أبوابا جديدة للحوار والتفاهم.
في مجرى التاريخ الإنساني الطويل، سبعون عاما ليست إلا ومضة عابرة؛ لكنها، بالنسبة لحضارتين ضاربتين بجذورهما في أعماق التاريخ، كانت زمنا كافيا لكتابة فصول لا حصر لها من الحكايات المؤثرة. فمن البيان المشترك التاريخي الذي أعلن إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر في عام 1956، إلى الشراكة الإستراتيجية الشاملة التي أينعت اليوم وامتدت أغصانها؛ ومن رنين أجراس القوافل على طريق الحرير القديم، إلى المدن الحديثة التي تنهض في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، قطعت الصداقة الصينية- المصرية مسيرة سبعين عاما بكل ما حملته من رياح وأمطار، وها هي اليوم تمضي بخطى واثقة نحو بناء مجتمع المستقبل المشترك بين البلدين في العصر الجديد.
وأنا، صحفي صيني عادي، أمضيت خمسة عشر عاما أتنقل بين المدن والقرى، وأكتب مئات التقارير، وأقطع طرقا لا تكاد تحصى، لأشهد كل ذلك وأسجله في مقالات وتقارير. لا يزال بريق النيل يلمع كما كان، ولا تزال المدن الجديدة تنهض من قلب الصحراء، ولا يزال حفيف أدوات التنقيب يتردد بين جدران المعابد القديمة. أما السبعون عاما من العلاقات الصينية- المصرية كما خطتها أناملي، فلم تعد مجرد ذكريات مهنية تخصني وحدي، بل أضحت حكاية صادقة ودافئة عن عصر كامل وحضارتين عريقتين، وشعبين جمعت بينهما المودة والتفاهم. وأؤمن بأن هذه الحكاية لن تقف عند حدود السبعين عاما، بل ستظل فصولها تتوالى وتكتب من جديد؛ على ضفاف النيل وعلى ضفاف اليانغتسي، وفي قلب كل شخص ألهمته الصداقة الصينية- المصرية، ومنحته قصص التعاون بين البلدين أملا جديدا في المستقبل.
*هوانغ بي تشاو، رئيس فرع صحيفة ((الشعب اليومية)) الصينية في مصر وكبير مراسليها.