Sunday 9th August 2026
شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

أمريكا وإسرائيل والصعود الصيني: عندما يعيد التاريخ ترتيب موازين القوة

منذ 5 دقائق في 09/أغسطس/2026

شبكة طريق الحرير الإخبارية/

 

أمريكا وإسرائيل والصعود الصيني: عندما يعيد التاريخ ترتيب موازين القوة

 

بقلم: نجيب الكمالي/

رئيس فرع اليمن في الاتحاد الدولي للصحفيين والاعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين، عضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

 

حين نقرأ التاريخ من بعيد يبدو لنا أن صعود القوى الكبرى وسقوطها يحدثان في لحظة واحدة، لكن الحقيقة أن التحولات الكبرى تبدأ دائما في الخفاء، تتراكم بهدوء داخل الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والمجتمع، ثم تظهر فجأة في صورة عالم جديد لم يعد يشبه العالم الذي سبقه. ولعل ما يعيشه العالم اليوم واحد من تلك التحولات التي لا يمكن فهمها من خلال حدث واحد، بل من خلال مسار طويل يعيد تشكيل موازين القوة والعلاقات بين الدول.
منذ نهاية الحرب الباردة بدت الولايات المتحدة وكأنها تمسك بمفاتيح النظام الدولي، فقد امتلكت التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، وأقامت شبكة واسعة من التحالفات جعلتها القوة الأكثر تأثيرا في تحديد اتجاهات السياسة العالمية. لكن الزمن لم يتوقف، وخلال العقود الماضية بدأت قوى أخرى تنمو وتوسع نفوذها، وأصبح العالم أكثر تعقيدا من الصورة التي تشكلت في لحظة الانتصار الأمريكي بعد الحرب الباردة.

وفي هذا السياق تبدو السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط جزءا من السؤال الأكبر حول مستقبل النفوذ الأمريكي. فالدعم المتواصل لإسرائيل، خصوصا خلال الأزمات والحروب الأخيرة، ترك أثرا عميقا في صورة واشنطن لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية، ورسخ لدى كثيرين انطباعا بأن الولايات المتحدة تتعامل مع قضايا المنطقة بمعايير مختلفة. ومهما اختلفت المواقف السياسية من هذه المسألة، فإن أحد آثارها الواضحة يتمثل في اتساع فجوة الثقة بين الولايات المتحدة وشرائح واسعة من الرأي العام في المنطقة.

وهذه الفجوة ليست مسألة معنوية فقط، لأن النفوذ الدولي لا يقوم على القوة العسكرية وحدها. الدولة تستطيع أن تمتلك أكبر الجيوش، لكنها تحتاج أيضا إلى شركاء يثقون بها، وأسواق تتعامل معها، وشعوب لا ترى في حضورها تهديدا دائما. ومع اتساع الفجوة بين القوة والثقة يصبح الحفاظ على النفوذ أكثر صعوبة، مهما بقيت أدوات القوة التقليدية قوية.

وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تدير شبكة واسعة من الأزمات والتحالفات، كانت الصين تسلك طريقا مختلفا، أكثر هدوءا وأطول نفسا. لم تبن بكين صعودها على مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، بل ركزت على بناء الداخل، وتطوير الصناعة، وتوسيع التجارة، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والبنية التحتية. ومع مرور السنوات تحولت الصين من اقتصاد يقوم بصورة أساسية على التصنيع منخفض التكلفة إلى قوة تنافس في الصناعات المتقدمة والطاقة المتجددة والاتصالات والسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي ومجالات التكنولوجيا الحديثة.

وهنا يصبح الاقتصاد جزءا من السياسة، والتكنولوجيا جزءا من الأمن، والتجارة جزءا من النفوذ. فكل ميناء أو طريق أو مصنع أو جامعة أو شركة تكنولوجية لا يمثل مشروعا اقتصاديا منفردا فحسب، وإنما يضيف إلى قدرة الدولة على الحركة والتأثير وبناء العلاقات مع العالم.

ولهذا فإن الصعود الصيني لا يمكن اختزاله في سؤال بسيط حول من سينتصر بين واشنطن وبكين. فالمسألة أوسع من منافسة دولتين، لأنها ترتبط بتحول النظام الدولي نفسه من مرحلة هيمنت فيها قوة واحدة على مساحة واسعة من القرار العالمي إلى مرحلة تتعدد فيها مراكز القوة والمصالح.

ومع ذلك، فإن القول بأن الصين ستزيح الولايات المتحدة قريبا سيكون مبالغة لا يساندها الواقع. فما زالت واشنطن تمتلك اقتصادا ضخما، وقوة عسكرية هائلة، وشبكة تحالفات واسعة، ومؤسسات علمية وتكنولوجية متقدمة. لكن بقاء القوة الأمريكية لا يعني بقاء النظام الدولي بالصورة نفسها. وهنا يكمن الفرق بين سقوط قوة وتغير شكل العالم.

فالولايات المتحدة قد تبقى قوة عظمى، لكن قدرتها على التحرك منفردة ستصبح أكثر ارتباطا بقدرتها على التكيف مع عالم تتقدم فيه الصين، وتتحرك فيه روسيا، وتتوسع فيه قوى إقليمية، وتبحث فيه دول كثيرة عن خيارات متعددة بدلا من الارتهان لمركز واحد.
ومنطقة الشرق الأوسط ستكون واحدة من أهم ساحات هذا التحول، لأنها لم تعد تنظر إلى العلاقات الدولية من زاوية واحدة. فالدول تبحث عن الاستثمار والتكنولوجيا والأسواق والطاقة والأمن، وتحاول في الوقت نفسه تنويع شراكاتها بما يحفظ مصالحها. وفي هذا المجال وجدت الصين فرصة لتوسيع حضورها من خلال الاقتصاد والتجارة والبنية التحتية والاستثمار، بينما تحافظ الولايات المتحدة على حضورها السياسي والعسكري وتحالفاتها التقليدية.

وبين هذا وذاك يتشكل عالم جديد لا يبدو فيه الانتقال من هيمنة أمريكية إلى هيمنة صينية أمرا حتميا، وإنما يبدو أقرب إلى انتقال تدريجي نحو تعدد مراكز القوة. وهذا التحول سيجعل قدرة الدول على بناء اقتصاد قوي وتطوير المعرفة وحماية مصالحها وتنويع علاقاتها أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لقد تغير معنى القوة نفسها. لم تعد القوة تقاس بعدد حاملات الطائرات والصواريخ فقط، بل بقدرة الدولة على إنتاج الغذاء والطاقة والتكنولوجيا، وبناء الجامعات والمصانع، وامتلاك الأسواق وسلاسل الإمداد، وتطوير المعرفة، وكسب الشركاء والحفاظ على الثقة.

ومن هنا يمكن فهم ما يحدث اليوم على أنه بداية إعادة ترتيب لا مجرد صراع على موقع القيادة. أمريكا تحاول الحفاظ على نفوذها، والصين توسع مجالها، والدول الأخرى تعيد حساباتها، والشرق الأوسط يبحث عن موقعه في هذه الخريطة المتغيرة.

والتاريخ في مثل هذه اللحظات لا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك الوقائع تتراكم حتى يصبح التحول حقيقة لا يمكن تجاهلها. وربما لهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يشغل العالم ليس من سيهزم من، ولا من سيجلس على قمة النظام الدولي، وإنما من سيكون قادرا على التكيف مع العصر الجديد وصناعة أدوات قوته بنفسه.

ففي نهاية المطاف، لا يحكم المستقبل من يملك القوة الأكبر اليوم فقط، بل من يعرف كيف يحول قوته إلى اقتصاد ومعرفة وتكنولوجيا وشراكات وثقة، ومن يستطيع أن يرى التحول قبل أن يصبح أمرا واقعا.
وهنا بالضبط يعيد التاريخ ترتيب موازين القوة.

 

*ملاحظة المحرر: يعكس هذا المقالة الرأي الشخصي للكاتب، ولا يُعبر بالضرورة عن رأي شبكة طريق الحرير الإخبارية.

بواسطة: khelil

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

إقتباسات كلاسيكية للرئيس شي جين بينغ

في مئوية تأسيس الحزب الشيوعي الصيني

أخبار أذربيجان

مبادرة الحزام والطريق

سياحة وثقافة

حقائق شينجيانغ

حقائق تايوان

حقائق هونغ كونغ

هيا نتعرف على الصين

الدورتان السنويتان

الصين تحت المجهر: مقالات.. تعليقات.. تحليلات

النشر في شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

الإحصائيات


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *