شبكة طريق الحرير الاخبارية/
عبد القادر خليل*
بحلول شهر يوليو 2026، يحتفل الشعب الصيني والعالم بالذكرى الـ 105 لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني. أكثر من قرن من الزمان مضى على تأسيس الحزب الذي لم يغير مجرى التاريخ الصيني الفردي فحسب، بل أعاد تشكيل الخارطة السياسية والاقتصادية العالمية، محولاً الصين من دولة تعاني من الضعف والفقر إلى قوة عظمى تقود قطار التنمية والابتكار في القرن الحادي والعشرين.
الـتأسيس من المعاناة: كيف وأين بدأت الحكاية؟
لم تكن ولادة الحزب الشيوعي الصيني في يوليو عام 1921 حدثاً عادياً، بل كانت استجابة تاريخية لظروف قاسية عاشتها الصين؛ من التدخلات الأجنبية، والتفكك الداخلي، والفقر المدقع.
ففي يوليو 1921، التقى 13 مندوباً يمثلون حوالي 50 عضواً فقط من جميع أنحاء الصين سرّاً في مبنى صغير من الطوب في الحي الفرنسي بمدينة شانغهاي لعقد المؤتمر الوطني الأول للحزب.
ونظراً للملاحقة الأمنية من قبل الشرطة آنذاك، نقل المؤسسون اجتماعهم الختامي إلى قارب سياحي صغير في “البحيرة الجنوبية” (قرب مدينة جياشينغ بمقاطعة تشيجيانغ). على متن هذا القارب، أُعلن رسمياً عن تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، وهو القارب الذي بات يُعرف في التاريخ الصيني بـ “القارب الأحمر”؛ رمزاً لانطلاق الرحلة الكبرى.
معجزة النهضة الصينية: من “الوقوف” إلى “النهضة” ثم “القوة”
مرت مسيرة الحزب الدي أصبح اليوم أكبر حزب سياسي في العالم، في تحقيق النهضة الصينية بمحطات كبرى صاغت وجه الصين الحديث:
تأسيس الصين الجديدة: في الفاتح أكتوبر 1949، بقيادة الزعيم والرمز التاريخي ماو تسي تونغ، تمكن الحزب من توحيد البلاد وتأسيس جمهورية الصين الشعبية، لتقف الأمة الصينية على قدميها بعد عقود من الاستعمار والحروب الأهلية.
الإصلاح والانفتاح : في 1978 أطلق الزعيم الراحل دنغ شياو بينغ سياسة “الإصلاح والانفتاح”، والتي فتحت أبواب الصين على الاقتصاد العالمي وحولتها إلى “مصنع العالم”، محققةً قفزات نمو اقتصادي غير مسبوقة في التاريخ البشري.
العصر الجديد والشراكة العالمية: وهي المرحلة الحالية التي يقودها الحزب نحو ترسيخ مكانة الصين كقوة تكنولوجية واقتصادية رائدة عالمياً.
ويظل الإنجاز الأبرز للحزب الشيوعي الصيني في الألفية الجديدة هو الانتصار الشامل في المعركة ضد الفقر المدقع. فقد نجحت الصين في انتشال أكثر من 800 مليون شخص من خط الفقر، محققةً هدف القضاء على الفقر قبل 10 سنوات من الموعد المحدد في أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030، مما وفر حياة رغيدة ومزدهرة للشعب الصيني على نحو شامل.
الرئيس شي جين بينغ: من الريف إلى قمة القيادة
لا يمكن الحديث عن النهضة الصينية المعاصرة دون التوقف عند مسيرة الرئيس شي جين بينغ، الأمين العام الحالي للحزب، والذي تجسد مسيرته مفهوم “التدرج من القاعدة إلى القمة” داخل الهيكل التنظيمي للحزب.
التدرج في المناصب: تجربة صقلتها التحديات
البداية من القرية: في شبابه (خلال الثورة الثقافية)، أُرسل شي جين بينغ للعمل كفلاح في قرية ليانغجياخه النائية بمقاطعة شنشي. عاش هناك لسنوات في الكهوف، وعمل جنباً إلى جنب مع الفلاحين، مما جعله يفهم بعمق معاناة الشعب واحتياجاته.
القيادة المحلية والمقاطعات: تدرج شي في المناصب الحزبية والحكومية خطوة بخطوة على مدار عقود. تولى قيادة مناصب محلية في مقاطعات هبي، وفوجيان، وتشيجيانغ، وبلدية شانغهاي. نجاحه في إدارة هذه المقاطعات الحيوية واقتصادياتها الضخمة أهّله للصعود إلى القيادة المركزية.
الوصول إلى قيادة الحزب : انتُخب شي جين بينغ أميناً عاماً للحزب الشيوعي الصيني في المؤتمر الوطني الثامن عشر عام 2012، ليقود الصين منذ ذلك الحين في “عصر جديد” من القوة والازدهار.
مبادرات الرئيس شي جين بينغ: رؤية للمستقبل العالمي
تميزت فترة قيادة الرئيس شي بطرح رؤى ومبادرات استراتيجية غيرت وجه التفاعل الدولي للصين أبرزها:
مبادرة الحزام والطريق: أُطلقها الرئيس شي عام 2013، وتعد أضخم مشروع بنية تحتية واستثمار دولي في التاريخ الحديث، بهدف ربط آسيا بإفريقيا وأوروبا عبر شبكات برية وبحرية، مما عزز التعاون والتنمية المشتركة لـ “مصير مشترك للبشرية”.
مبادرة التنمية العالمية: وتهدف إلى تسريع تنفيذ خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030، والقضاء على الفقر، وتعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي، والتنمية الخضراء، والأمن الغذائي.
مبادرة الأمن العالمي: وتدعو إلى رؤية أمنية مشتركة وشاملة، مع التركيز على احترام سيادة الدول، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية النزاعات عبر الحوار والدبلوماسية، ومعالجة التهديدات الأمنية التقليدية وغير التقليدية.
مبادرة الحضارة العالمية: وتدعو إلى احترام التنوع الحضاري في العالم، وتعزيز التبادلات والتعلم المتبادل بين الثقافات، ونبذ فكرة تفوق حضارة على أخرى.
مبادرة الحوكمة العالمية: تُعد الإطار الأحدث والأشمل الذي أضافه شي جين بينغ، وتهدف إلى جعل نظام الحوكمة الدولية أكثر عدلاً وإنصافاً، وإعطاء تمثيل أكبر للدول النامية في المؤسسات الدولية.
مفهوم الحلم الصيني: هو الرؤية الاستراتيجية لتحقيق “النهضة العظيمة للأمة الصينية” والوصول إلى مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل في إطار “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد”. يرتكز هذا المشروع على تلبية تطلعات المواطنين في الرفاهية والأمن والحياة الكريمة، بالتوازي مع دفع عجلة السلام والتنمية على الصعيد العالمي.
الحوكمة الصارمة ومكافحة الفساد: قاد الرئيس شي حملة غير مسبوقة لمكافحة الفساد داخل الحزب والدولة تحت شعار “ضرب النمور والذباب معاً” باستهداف الفاسدين سواء كانوا مسؤولين كباراً أو صغاراً، مما زاد من تلاحم الشعب مع الحزب وثقته في قيادته.
التنمية الخضراء والحضارة الإيكولوجية: وضعت الصين خططاً صارمة للوصول إلى “ذروة انبعاثات الكربون” بحلول عام 2030 وتحقيق “الحياد الكربوني” بحلول عام 2060، لتصبح الصين رائدة عالمياً في قطاع الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية.
الحزب الشيوعي الصيني والمستقبل
في ذكرى تأسيسه الـ 105، يثبت الحزب الشيوعي الصيني ونواته الرئيس شي جين بينغ، أن سر نجاحه واستدامته يكمن في قدرته على الثورة الذاتية والتجدد المستمر، مع الحفاظ على غايته الأسمى المتمثلة في خدمة الشعب. إن مسيرة الحزب منذ تأسيسه، من قارب صغير في بحيرة جياشينغ إلى قيادة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، هي ملحمة تاريخية تؤكد أن القيادة الحكيمة، والالتزام بــالتنمية التي تتمحور حول الشعب، والرؤية الاستراتيجية طويلة المدى، هي الركائز الأساسية لصناعة التاريخ وبناء المستقبل.
*عبد القادر خليل- رئيس تحرير شبكة طريق الحرير الإخبارية، رئيس الفرع الجزائري للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحُلَفاء الصين، وعضو مجلس الإدارة في الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل.