شبكة طريق الحرير الاخبارية/
بقلم: هادي الحريزي- صحفي تونسي
بالنسبة لي، لم تكن هانجو مجرد مدينة قرأت عنها أو وضعتها ضمن قائمة وجهات السفر. لقد كانت تجربة إنسانية عميقة بدأت تتكشف بهدوء منذ اللحظة الأولى. جاءت زيارتي إلى الصين بدعوة كريمة من مجلة Beijing Review في منتصف شهر أفريل2026، لكنها سرعان ما تحولت إلى رحلة داخلية بقدر ما كانت استكشافاً لمدينة. لم أتوقع أن تعيد هذه الزيارة تشكيل فهمي لمعنى التنمية، أو أن تطرح أمامي سؤالاً رافقني في كل خطوة: كيف يمكن لذاكرة تمتد لآلاف السنين أن تنسجم مع مستقبل يُبنى بكل هذه الثقة؟
في شرق الصين، بدت هانجو كمعادلة نادرة تجمع بين الأصالة والتجدد. لم أشعر أبداً أن التاريخ هنا عبء يُحمل على الأكتاف، بل كان طاقة خفية تدفع الحاضر إلى الأمام وتمنحه العمق والمعنى. كل زاوية كانت تهمس بحكاية، وكل معلم يحمل طبقات متراكمة من الزمن دون أن يفقد صلته بالحياة المعاصرة وإيقاعها المتسارع.

منذ البداية، منحتني المدينة إحساساً عميقاً بالسكينة. الهواء النقي، والمساحات الخضراء الواسعة، والحدائق المصممة بعناية، كلها شكلت مشهداً بصرياً متناغماً يبعث على الراحة والتوازن. لم تكن النظافة مجرد مظهر حضاري خارجي، بل انعكاساً لوعي جماعي راسخ. كان عمال النظافة يؤدون مهامهم بتفانٍ هادئ، بينما يتعامل المواطنون مع الفضاءات العامة باحترام واضح وملموس. هناك شعرت بانسجام حقيقي بين الإنسان وبيئته، وكأن المدينة صُممت لتحتضن الجميع دون استثناء.
في هانجو، لا يُعرض التراث كذكرى جامدة أو قطعة متحفية، بل يُعاش كجزء حي من الحياة اليومية. فالوجوه المبتسمة، وكرم الضيافة، وحضور الأزياء التقليدية في بعض المناسبات والأماكن، كلها تعكس هوية ثقافية عميقة الجذور تتجدد باستمرار من داخلها دون أن تنفصل عن أسسها التاريخية العريقة.
كما يلفت الانتباه الحضور القوي للأسرة في الحياة العامة، حيث يقضي الآباء والأبناء أوقاتهم معاً في الحدائق أو أثناء التنزه وممارسة الأنشطة الرياضية. ويعكس هذا المشهد البسيط تماسكاً اجتماعياً وشعوراً بالأمان والاستقرار، مما يمنح المدينة بعداً إنسانياً يتجاوز صورتها كحاضرة حديثة ومتقدمة تكنولوجياً.
غير أن هذا الهدوء الظاهر لا يخفي وجهاً آخر شديد الحيوية. فناطحات السحاب التي تعانق السماء، والأسواق المنظمة، والبنية التحتية الرقمية المتقدمة، كلها تعكس اقتصاداً مزدهراً ومنظومة فعالة قائمة على التخطيط والدقة. وحتى التفاصيل الإدارية الصغيرة، مثل استرداد الضرائب الفوري في “هانجو تاور”، تعكس مستوى عالياً من الكفاءة وسلاسة الخدمات.
أكثر ما يميز هانجو هو ثقتها الهادئة بالمعرفة. فالمدينة لا تتباهى بتقدمها، بل تمارسه بثقة وهدوء. التكنولوجيا هنا ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحسين جودة الحياة اليومية. ومن خلال استخدام تطبيق “علي باي”، يتضح كيف أصبحت الخدمات اليومية أكثر سهولة وسلاسة، بدءاً من المدفوعات ووصولاً إلى التنقل والمعاملات المالية.
وقد تعمق هذا الانطباع خلال زيارتي لشركة “آنت غروب”، حيث يتجسد التحول الرقمي في حلول عملية تمس حياة الملايين ضمن رؤية تعتبر التكنولوجيا أداة لخدمة الإنسان وتعزيز الكفاءة. كما قدمت زيارة شركة “يونشينتشو روبوتيكس” نموذجاً متقدماً للروبوتات الذكية التي تعمل كامتداد لقدرات الإنسان، لا كبديل عنه، بل كمساعد يوسع إمكاناته.
ورغم هذا الحضور القوي للحداثة، ظل التاريخ حاضراً بقوة. فقد أتاحت لي زيارة موقع ليانغتشو الأثري، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، فرصة للتأمل في حضارة قديمة سبقت الكثير من أشكال التنظيم الحضري الحديث. كما تعكس منطقة تشياوشي التاريخية، ومتحف القناة الكبرى، وقصر ديشو، توازناً دقيقاً بين الحفاظ على التراث وإعادة تقديمه بروح معاصرة.
ومن بين أكثر التجارب الجمالية إثارة للإعجاب كان عرض “انطباعات بحيرة الغرب” للمخرج تشانغ ييمو، حيث تمتزج الطبيعة بالتكنولوجيا في مشهد بصري وموسيقي ساحر يحول المكان إلى مسرح حي، ويعيد تعريف العلاقة بين الفن والبيئة والفضاء.
لكن التجربة الإنسانية كانت حاضرة في كل تفاصيل الحياة اليومية، خاصة خلال الوجبات المشتركة مع الأصدقاء الصينيين، حيث يتحول الطعام إلى مساحة للتواصل الإنساني العميق الذي يتجاوز حدود اللغة والثقافة، ويعيد تعريف معنى القرب.
ولعل أكثر اللحظات تأثيراً كانت تلك التي قضيتها في مزارع الشاي على أطراف هانجو، حيث تتدرج المصاطب الخضراء فوق التلال في مشهد طبيعي أخاذ. هناك شاركت المزارعين في قطف أوراق الشاي، في تجربة شخصية عميقة أعادتني إلى جذوري كابن لمزارع، وأيقظت ذكريات مواسم الحصاد والارتباط الوثيق بالأرض، في لحظة امتزج فيها الشخصي بالجغرافي بصدق وعفوية.
وفي بعد آخر من الرحلة، ساهمت زيارتي لهانجو أيضاً في تعميق فهمي للعلاقات الدولية، من خلال مشاركتي في منتدى فكري عالمي نظمه معهد شنغهاي للدراسات الأمريكية بالتعاون مع مجلة Beijing Review. وقد جمع المؤتمر باحثين ومفكرين من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التحولات الجيوسياسية، وتغير موازين القوى، ودور التكنولوجيا في إعادة تشكيل النظام الدولي، إلى جانب قضايا مثل البرنامج النووي الإيراني، ودور الجنوب العالمي، والانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة.
وفي هذا السياق، بدت هانجو ليس فقط مدينة مستضيفة، بل فضاءً للتفكير في العالم ذاته، حيث يتقاطع الواقع اليومي مع النقاشات الفكرية حول المستقبل والتحولات العميقة في النظام الدولي.
وفي نهاية الرحلة، غادرت هانجو وأنا أحمل مزيجاً من الإعجاب والدهشة والسكينة الداخلية. لم تكن مجرد مدينة حديثة، بل نموذجاً حياً يثبت أن الحداثة لا تعني القطيعة مع الماضي، بل يمكن أن تكون امتداداً له وإعادة ابتكار له بروح جديدة. إنها تجربة تؤكد أن التنمية لا تُقاس بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية وحدها، بل أيضاً بالإحساس بالإنسان والمكان والتاريخ، وأن المستقبل، عندما يُبنى بوعي، يمكن أن يكون أكثر توازناً وجمالاً واستدامة.