شبكة طريق الحرير الإخبارية/
عبد القادر خليل*
تعتبر ذكرى الثامن والعشرين من مايو عام 1918 نقطة تحول مضيئة في تاريخ الشرق الإسلامي والعالم بأسره، ففي هذا اليوم ولد أول نظام جمهوري برلماني ديمقراطي في العالم الإسلامي بتأسيس “جمهورية أذربيجان الديمقراطية”. ورغم أن تلك التجربة الأولى واجهت تحديات جيوسياسية قاهرة آنذاك، إلا أن شعلة الحرية لم تنطفئ، وظلت كامنة في وجدان الشعب الأذربيجاني حتى أُعيد إحياؤها مع استعادة الاستقلال الثاني عام 1991، لتنطلق البلاد في مسيرة تنموية أبهرت العالم.
عقود من الإنجازات: بناء دولة عصرية ومحورية
على مدى العقود الثلاثة الماضية، تحولت أذربيجان من دولة تواجه تحديات التأسيس والعدوان الخارجي إلى مركز ثقل سياسي واقتصادي في منطقة القوقاز وبحر قزوين. وبفضل الرؤية الاستراتيجية الحكيمة التي أرساها الزعيم الوطني حيدر علييف، ويقودها اليوم بحنكة الرئيس إلهام علييف، حققت باكو قفزات نوعية تشمل:
الريادة الاقتصادية والطاقوية: تحولت أذربيجان إلى لاعب رئيسي في أمن الطاقة العالمي من خلال مشاريع عملاقة مثل خط أنابيب (باكو-تبليسي-جيهان) وممر الغاز الجنوبي، مما جعلها شريكاً استراتيجياً موثوقاً لأوروبا والعالم.
النهضة العمرانية والتكنولوجية: شهدت البلاد ثورة في البنية التحتية، وتحولت العاصمة باكو إلى أيقونة معمارية تجمع بين الأصالة والحداثة، بالتوازي مع إطلاق أقمار صناعية وطنية ودخول عصر الرقمنة.
الدبلوماسية الدولية: نجحت باكو في ترسيخ مكانتها الدولية عبر قيادتها الناجحة لحركة عدم الانحياز، واستضافتها لأكبر المحافل الدولية؛ وكان آخرها إرث استضافة مؤتمر الأطراف للمناخ (COP29).
ملحمة الـ 44 يوماً: استعادة السيادة وإعادة البناء
لا يمكن الحديث عن أذربيجان الحديثة دون التوقف إجلالاً أمام المحطة التاريخية الأبرز في تاريخها المعاصر؛ وهي حرب الـ 44 يوماً في خريف عام 2020.
بفضل تلاحم الشعب، وعزيمة القيادة، وبسالة الجيش الأذربيجاني، تمكنت باكو من إنهاء ثلاثة عقود من الاحتلال الأرمني غير القانوني لأراضيها، وتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بقوة الحق والعدالة. ولم تتوقف الانتصارات عند الجانب العسكري؛ بل تلتها عمليات مكافحة الإرهاب في سبتمبر 2023 التي بسطت من خلالها أذربيجان سيادتها الكاملة على كافة أراضيها المعترف بها دولياً.
“واليوم، تخوض أذربيجان “ملحمة بناء” لا تقل أهمية؛ حيث تشهد المناطق المحررة في “قاراباغ” و”زانغيزور الشرقية” ثورة عمرانية حقيقية، من خلال بناء مدن وقرى ذكية، وإعادة توطين النازحين في ديارهم، وتحويل المنطقة إلى واحة من الطاقة الخضراء والتنمية المستدامة. وهنا أستذكر زيارتي لمدينة “شوشا” في قاراباغ سنة 2022، حين شاهدتُ بعيني بداية أعمال إعادة الإعمار والتشييد بعد الاحتلال الأرميني؛ والآن، تتجلى بوضوح ثمار ما حققته أذربيجان من إنجازات على أرض الواقع، كلي أمل أن تتاح لي فرصة متجددة لزيارة منطقة قاراباغ للوقوف على المفارقة المبهرة بين ما كانت عليه سابقاً وما أصبحت عليه اليوم.”

العلاقات الجزائرية الأذربيجانية: قواسم تاريخية وآفاق واعدة
تجمع بين جمهورية أذربيجان والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية روابط أخوية وتاريخية عميقة تستند إلى قيم مشتركة، وتضامن مبدئي في المحافل الدولية.
الدعم المتبادل والتنسيق السياسي: لطالما تبادلت الدولتان الدعم في القضايا المصيرية؛ فالجزائر، التي عانت من ويلات الاستعمار ودفعت ثمن حريتها مليون ونصف المليون شهيد، تفهم جيداً معنى النضال من أجل السيادة وسلامة الأراضي، ولطالما وقفت إلى جانب الشرعية الدولية والحق الأذربيجاني في استعادة أراضيه المُحتلة.
الدبلوماسية الثقافية: روابط روحية صاغها الفن والموسيقى
ريشة الفن تُجسّد الأخوّة: “الجزائر” في وجدان المبدعين الأذربيجانيين
ولم تقتصر العلاقات بين البلدين على الدبلوماسية السياسية، بل امتدت لتشمل أبعاداً ثقافية وفنية ملهمة؛ ولعل أبرز شاهداً على ذلك هو ما قدمه فنان الشعب الأذربيجاني الراحل، التشكيلي الكبير “ميكائيل عبد اللايف” في ستينيات القرن الماضي. فخلال زيارته للجزائر، وقع الفنان في سحر طبيعتها ونضال شعبها الأبيّ، لينتج سلسلة لوحات عالمية عُرفت باسم “مجموعة الجزائر”، والتي خلد فيها تفاصيل الحياة اليومية، وبسالة المرأة الجزائرية، وألوان الأسواق الشعبية. هذه الروائع الفنية التي تزين اليوم جدران المتحف الوطني للفنون في باكو، تظل دليلاً حياً على أن الرابط الروحي والوجداني بين الشعبين الأذربيجاني والجزائري قد رُسم بريشة الإعجاب والتضامن منذ عقود طويلة.
سيمفونية المقامات: تمازج الألحان والمسارح المشتركة
ولا تتوقف الجسور الثقافية عند حدود الريشة والألوان، بل امتدت لتصنع سيمفونية فريدة تلتقي فيها ألحان البلدين؛ حيث يجمع أذربيجان والجزائر إرث موسيقي “مقاماتي” روحي مشترك. فبينما تصدح باكو بـ “المُقام الأذربيجاني” العريق والمصنف عالمياً، تجود الحواضر الجزائرية بـ “المالوف والموسيقى الأندلسية” الأصيلة.
هذا التقارب الجيني في النغمات تجسد في تبادل فني مستمر عبر مشاركة الفرق الأذربيجانية في المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بدار أوبرا الجزائر، واستضافة باكو للمبدعين الجزائريين في مهرجاناتها الدولية. إنه حوار إنساني راقٍ يمتد من أعرق دور الأوبرا في باكو (مهد الأوبرا في الشرق الإسلامي) إلى أوبرا الجزائر الحديثة، ليرسم لوحة متكاملة من التبادل السيمفوني والمسرحي الذي يعكس الرقي الثقافي لكلا الأمتين، ويؤكد أن لغة الموسيقى والمسرح كانت دوماً أسرع الطرق لتقارب الشعبين الشقيقين.
مجالات التعاون الحالية والمستقبلية
يشهد التعاون الثنائي اليوم حركية متصاعدة، لا سيما بعد تبادل الزيارات الرفيعة والمستمرة بين مسؤولي البلدين. وتبرز عدة قطاعات كأولويات للتعاون المشترك:
قطاع الطاقة: كونهما من كبار منتجي ومصدري النفط والغاز، وهناك تنسيق مستمر بينهما في إطار منظمة “أوبك+” ومنتدى الدول المصدرة للغاز (GECF).
التبادل الأكاديمي والمعرفي: من خلال تعزيز المنح الدراسية والنشاطات الثقافية المشتركة التي تقرب بين الشعبين والجيل الصاعد من البلدين.
الاستثمار والتجارة: يسعى البلدان بجدية لتفعيل اللجان المشتركة لرفع حجم التبادل التجاري واستكشاف فرص الاستثمار في مجالات الزراعة، السياحة، والصناعات الصيدلانية.
خاتمة:
إن احتفال أذربيجان بعيد استقلالها هذا العام يكتسي طعماً خاصاً، فهو احتفال بدولة قوية، حرة، وسيدة قرارها بالكامل بعد استعادة كامل سيادتها الترابية. وفي هذه المناسبة السعيدة، تتطلع العلاقات الجزائرية الأذربيجانية إلى مستقبل أكثر ازدهاراً، يجسد طموحات الشعبين الشقيقين في البناء، التنمية، والسلام المستدام.
*عبد القادر خليل: رئيس تحرير شبكة طريق الحرير الإخبارية، رئيس جمعية سفراء بلا حدود الثقافية، الجزائر.