شبكة طريق الحرير الاخبارية/
بقلم: المهندس غسان جابر – الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين.
يقول الموال الشعبي: على ورق صيني… يا فلسطين.
والعبارة تبدو للوهلة الأولى مجرد حنين غنائي، لكنها في جوهرها سؤال سياسي عميق: أين تُكتب فلسطين؟ وعلى أي ورق يُدوَّن تاريخها؟
فلسطين منذ أكثر من سبعة عقود تُكتب على أنواع كثيرة من الورق؛ على ورق الأمم المتحدة، على أوراق الهدنة، على أوراق المفاوضات، على أوراق المبادرات العربية، وعلى أوراق التعهدات الدولية. لكن بين كل هذه الأوراق، ظل الشعب الفلسطيني يفتش عن الورقة الوحيدة التي لم تُمنح له بعد: ورقة العدالة.
حين قال الشعبي الفلسطيني على ورق صيني، كان يقصد أجود الورق وأثمنه، أي أن فلسطين تستحق أن تُكتب بمدادٍ لا يمحوه الزمن. لكن العالم فعل العكس تمامًا؛ كتب القضية الفلسطينية على أوراق مؤقتة، قابلة للتمزيق، وسريعة الاحتراق.
كل اتفاق لم يُنفذ كان ورقة.
كل وعد دولي بلا أثر كان ورقة.
كل خطاب شجب دون حماية كان ورقة.
حتى القرارات الأممية تحولت إلى أرشيف ضخم من الورق، بينما الجرافة على الأرض كانت أكثر فاعلية من كل الحبر الدولي.
المفارقة أن الفلسطيني، الذي حُرم من السيادة على أرضه، أصبح يملك سيادة كاملة على الذاكرة. ولذلك لم تبقَ فلسطين حبيسة الوثائق الرسمية، بل انتقلت إلى الأغنية، إلى الموال، إلى مفتاح البيت، إلى اسم القرية، إلى ذاكرة الجدة، وإلى جدار الخيمة.
هنا يتبدل المعنى السياسي للعبارة:
لم تعد فلسطين تُكتب على ورق صيني فاخر، بل على دفاتر اللاجئين، وعلى قوائم الشهداء، وعلى جدران السجون، وعلى خرائط الأطفال في المدارس، وعلى شاشات العالم التي تنقل الدم اليومي من غزة والضفة والقدس.
المشكلة لم تكن يومًا في نقص الأوراق، بل في غياب الإرادة الدولية لتحويل الورق إلى قانون، والقرارات إلى أفعال، والاعترافات إلى حقوق ملموسة.
لهذا، فإن التحدي الفلسطيني الجديد ليس كتابة القضية من جديد، بل نقلها من خانة الأدب السياسي إلى خانة التنفيذ السياسي. فالعالم يعرف الرواية، ويحفظ الأرقام، ويرى الصور، لكنه يتصرف كأن المعرفة وحدها تكفي.
فلسطين لا تحتاج مزيدًا من الورق.
تحتاج ميزانًا أخلاقيًا لا يكيل بمكيالين.
تحتاج نظامًا دوليًا يرى الطفل الفلسطيني إنسانًا كامل القيمة، لا هامشًا خبريًا عابرًا.
تحتاج أن يتحول الحبر إلى موقف، والبيان إلى حماية، والتضامن إلى سياسة.
وإذا كان الأجداد قد قالوا على ورق صيني يا فلسطين، فإن أبناء هذا الزمن يقولون:
لقد امتلأت الأوراق… وحان وقت الأرض.
م. غسان جابر – فلسطين