Thursday 2nd April 2026
شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

الحرب على التدفقات: من يرفع الكلفة يفرض النفوذ

منذ 11 ساعة في 02/أبريل/2026

شبكة طريق الحرير الاخبارية/

 

الحرب على التدفقات: من يرفع الكلفة يفرض النفوذ

تعطّل الممرات وارتفاع كلفة الطاقة والنقل يعيدان تشكيل سلاسل التوريد ويكشفان كيف تُدار الحروب خارج الجبهات

 

د. عائده المصري،

باحثة وكاتبة إعلامية متخصصة في الحوكمة العالمية والاقتصاد السياسي، تتمتع بخبرة في إدارة النزاعات وتعزيز مرونة سلاسل التوريد. عضو في الاتحاد الدولي للصحفيين الدوليين و«كتّاب العرب أصدقاء وحلفاء الصين».

 

لم تعد الحرب في الشرق الأوسط تُقاس بما يحدث على الجبهات، بل بما يحدث للتدفقات التي تحرّك الاقتصاد العالمي. فتعطّل الممرات وارتفاع كلفة الطاقة والنقل لم يعودا أثراً جانبياً للصراع، بل أصبحا جزءاً من آليته، حيث تُنقل الكلفة ويُعاد توزيع النفوذ خارج ساحة المواجهة المباشرة.

ما يجري في الشرق الأوسط لم يعد قابلاً للقراءة بوصفه سلسلة مواجهات عسكرية منفصلة أو مجرد تصعيد بين أطراف معلنة. هذا المستوى من القراءة يلتقط السطح، لكنه لا يفسر البنية الفعلية للصراع. فالصراع الجاري يتحرك على مستوى أعمق، حيث لا تُختبر موازين القوى في الجبهات وحدها، بل في التدفقات التي يقوم عليها الاقتصاد المعاصر: الطاقة، والتجارة، والبيانات، وسلاسل التوريد. ومن هنا، لم تعد المسألة محصورة في من يواجه من، بل في من ينجح في نقل الكلفة، وتعطيل الحركة، وإعادة تعريف شروط الاستقرار.

وفي هذا النمط من الصراع، لا تُدار الكلفة فقط بين الأطراف المنخرطة مباشرة، بل يُعاد توزيعها عبر الإقليم ضمن تفاعلات غير مباشرة تعكس مصالح قوى أكبر من حدود المواجهة الظاهرة.

بهذا المعنى، لم تعد الجغرافيا في الشرق الأوسط مجرد مسرح للأحداث، بل تحولت إلى بنية تشغيلية للصراع. فمضيق هرمز، والبحر الأحمر، وقناة السويس، ليست نقاط عبور وحسب، بل عقد تتحكم في سرعة التدفقات وكلفتها وقابليتها للاستمرار. وما يجعل هذه العقد ذات وزن استثنائي ليس موقعها فقط، بل قدرتها على تحويل التوتر السياسي إلى أثر اقتصادي عابر للحدود. فكل اضطراب فيها يعيد تسعير الطاقة، والنقل، والتأمين، ويضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى سلاسل التوريد العالمية.

ولا يتوقف هذا الأثر عند السلع والطاقة. فالبنية التحتية الرقمية المرتبطة بالكوابل البحرية تضيف بعداً آخر لا يقل حساسية. في اقتصاد يعتمد على الاتصال الفوري، والخدمات السحابية، والعمليات العابرة للحدود، يصبح استقرار تدفق البيانات جزءاً من الاستقرار الاقتصادي نفسه. وهذا يعني أن الصراع لم يعد يدور فقط حول من يسيطر على الأرض أو يهدد الممرات، بل أيضاً حول من يملك القدرة على جعل المنظومات المترابطة أكثر بطئاً وكلفة وأقل موثوقية.

هذا هو جوهر ما يمكن وصفه بالصراع الشبكي: نمط من الصراع لا تُقاس فيه القوة بحجم الضربة فقط، بل بقدرة الفاعل على التأثير في شروط الحركة. ففي هذا المستوى، قد لا يكون الإغلاق الكامل ضرورياً. يكفي أحياناً جعل البدائل أبطأ، وأغلى، وأكثر هشاشة. وهذا التحول مهم، لأنه ينقل مركز الثقل من الحسم العسكري المباشر إلى إدارة الكلفة، ومن السيطرة على الجبهة إلى التأثير في سلوك الأسواق والشركات والدول.

ويظهر الأردن في هذا السياق بوصفه حالة خاصة داخل الإقليم، لا لأنه في قلب المواجهة المباشرة، بل لأنه يقع على تماس مع آثارها التشغيلية والسياسية في آن واحد. فالمسألة بالنسبة إليه لا تُختزل في التموضع السياسي المعلن، بل في كيفية إدارة الانكشاف: حماية الاستقرار الداخلي، ومنع انتقال الاضطراب إلى الأسواق وسلاسل التوريد، وتجنب التحول إلى ممر مفتوح لكلفة الصراع. ومن هذه الزاوية، يصبح الحذر الأردني تعبيراً عن منطق دولة تدرك أن الحفاظ على التدفقات، وضبط الارتباك، واحتواء الأثر الاقتصادي، ليست مسائل تقنية فقط، بل عناصر سيادة في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة.

من هذه الزاوية، لا تبدو المنطقة مجرد بؤرة توتر محلية، بل مساحة يُعاد من خلالها اختبار بنية الاقتصاد العالمي. وهذا يفسر لماذا لا تنحصر آثار الحرب في الإقليم، بل تمتد سريعاً إلى آسيا، وإلى الاقتصادات التي تعتمد على استقرار الطاقة والممرات وسلاسل التوريد. كما يفسر لماذا أصبحت قطاعات مثل الغذاء، والصناعة التحويلية، والتخزين، والخدمات اللوجستية، أكثر حساسية للصراعات الإقليمية مما توحي به القراءة العسكرية التقليدية.

وفي هذا السياق، تكتسب الصين موقعاً مختلفاً عن موقع الأطراف المنخرطة مباشرة في التوتر. فهي ليست طرفاً عسكرياً في المواجهة، لكنها في قلب أثرها الاقتصادي. فاستقرار الطاقة، وأمن الممرات، واستمرارية التدفقات التجارية، ليست بالنسبة إلى الصين ملفات خارجية هامشية، بل شروطاً بنيوية لاستمرار الإنتاج والنمو والربط الصناعي. ومن ثم، فإن ما يظهر في الشرق الأوسط كتصعيد إقليمي، يظهر في الحسابات الصينية بوصفه اختباراً لسلامة بيئة تشغيل عالمية يقوم عليها جزء مهم من الاقتصاد الدولي.

لكن هذه العلاقة ليست أحادية الاتجاه. فكما أن الصين تتأثر باضطراب التدفقات، فإن إعادة تشكيل البيئة العالمية للطاقة والنقل قد تمنحها في الوقت نفسه وزناً إضافياً في مجالات البدائل الصناعية، والطاقة الجديدة، والتخزين، والربط اللوجستي. وهنا تظهر مفارقة أساسية: الجهة التي تتحمل جزءاً من الكلفة على المدى القصير، قد تجد نفسها في موقع أقوى على المدى الأبعد إذا امتلكت القدرة على الاستجابة البنيوية للتحول.

وفي الوقت نفسه، يكشف الصراع عن مفارقة تخص الشرق الأوسط نفسه. فالإقليم لا يعاني من نقص في عناصر القوة: الموقع، والطاقة، والأسواق، والممرات، والقدرة على التأثير في التدفقات. لكن الفجوة تظل قائمة بين امتلاك هذه العناصر، والقدرة على تحويلها إلى نفوذ مستقر. وهذا يعني أن المشكلة لا تكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل في نمط تموضع إقليمي يسمح أحياناً بتحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية كلف الآخرين، بدلاً من أن تكون طرفاً قادراً على فرض قواعد أكثر توازناً.

ومن هنا، فإن الحديث عن العلاقة مع الصين لا ينبغي أن يُبنى على لغة الاصطفاف، ولا على أوهام الشراكة الرمزية، بل على قاعدة أكثر صلابة: تطابق المصالح في الاستقرار. فالصين تحتاج إلى فضاء أقل هشاشة للتدفقات، والمنطقة تحتاج إلى شراكات طويلة الأمد تنقلها من موقع الاستخدام الظرفي إلى موقع الفعل الاقتصادي المنظم. وفي هذا المستوى، تصبح العلاقة الممكنة علاقة رابح-رابح فقط إذا بُنيت على معايير واضحة: استقرار، وبنية تحتية، ولوجستيات، وطاقة، وأمن غذائي، وربط اقتصادي لا يخضع لمنطق الأزمة المؤقتة.

المشكلة أن كثيراً من القراءات في المنطقة ما زالت حبيسة ثنائية قديمة: الاصطفاف أو الرفض، التبعية أو القطيعة، الشعار أو الشعار المضاد. لكن الصراع الجاري يفرض لغة مختلفة. ليس المطلوب اختيار طرف رمزي، بل فهم أين تتشكل الكلفة، وكيف تُدار التدفقات، وأي شراكات يمكن أن تقلل الانكشاف بدل أن تعيد إنتاجه. وفي هذا الإطار، يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف تُعلَن المواقف، بل كيف تُبنى القدرة وتُحمى المصلحة.

في هذا النوع من الصراعات، لا يُحسم النفوذ بمن يملك القوة فقط، بل بمن ينجح في إدارة الكلفة وتوجيه التدفقات. ومن لا يدرك ذلك، سيبقى جزءاً من كلفة الصراع، لا طرفاً في تحديد نتائجه.

التصنيفات: اقتصاد وتجارةمقالات
بواسطة: khelil

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

إقتباسات كلاسيكية للرئيس شي جين بينغ

في مئوية تأسيس الحزب الشيوعي الصيني

أخبار أذربيجان

مبادرة الحزام والطريق

سياحة وثقافة

حقائق شينجيانغ

حقائق تايوان

حقائق هونغ كونغ

هيا نتعرف على الصين

الدورتان السنويتان

الصين تحت المجهر: مقالات.. تعليقات.. تحليلات

النشر في شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

الإحصائيات


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *