Sunday 15th March 2026
شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

شيامن وغابات القرم: كيف أعادت الصين الحياة إلى السواحل

منذ 5 دقائق في 15/مارس/2026

شبكة طريق الحرير الإخبارية/

 

شيامن وغابات القرم: كيف أعادت الصين الحياة إلى السواحل

بقلم الصحفي هادي الحريزي-  تونس 

 

تعيش مدينة شيامن التابعة لمقاطعة فوجيان على وقع الانتقال البيئي، مدفوعة بقوة إلى الاندماج في التحول المستدام. وهذه المدينة تضم جامعة هي الأولى من نوعها في العلوم البحرية، كما أنها نموذج مثالي لتكيف الاقتصاد الصيني مع المتطلبات البيئية. شيامن، التي عمل فيها الرئيس الصيني شي جين بينغ لمدة 7 سنوات، تتميز بنضارة غاباتها وطقسها المعتدل والرطب، وهي تضم حدائق بديعة التصوير ضمن هندسة من التشييد عالية الاتقان، تلقى دعما من طرف الحكومة المركزية، وهي في مصاف رفيع الاهتمام من طرف الحزب الشيوعي الصيني. ومسؤولو شيامن عملوا مبكرا بولاء لتوجيه قيادتهم، وحققوا نتائج مثمرة لإمكانية الازدهار.

والمدينة، بصفتها جوهرة على المحيط، رسخت قيم للتعايش المستدام بين الإنسان والبيئة، فصارت الحدائق والمنتزهات كما المتاحف تعمر بالزوار الذين يفدون لمشاهدة التحام الأنهار بمياه المحيط، راسمة صورا مبهرة عن الجمال الأخاذ للصين. وهذه المدينة كانت وجهة لزيارتي مع وفد من زملائي الوافدين من دول الجنوب خلال الفترة من 12 إلى 15 مارس 2026، وسرعان ما خطفت هذه المدينة جزءا من كياننا، وقد هنأ جميع أفراد الوفد الزائر مسؤولي شيامن على حصيلة النجاحات، بالخصوص على مستوى منطقة شياتانوي الساحلية. ففي هذه المدينة، تمتد اليوم على سطح الماء رقعة خضراء مورقة تشكل لوحة فنية بديعة تخطف الأنظار. إنها غابات القرم التي عادت للحياة بعد عقود من التدهور، لتروي قصة نجاح بيئي فريد تجمع بين العلم والإرادة والصبر.

   

قبل أكثر من عقدين، كانت منطقة شياتانوي الساحلية في شيامن مجرد مكب للنفايات وأراضٍ طينية مهملة، حيث تحولت بسبب أعمال الردم غير المنظمة وتربية الأحياء المائية العشوائية إلى فوضى عارمة مع تلوث شديد لمياه البحر، مما أدى إلى تدمير شبه كامل لغابات القرم التي كانت تنمو هناك طبيعيا. لكن شيامن لم تستسلم لهذا الواقع، ففي عام 2005 اتخذت المدينة قرارا حاسما باستعادة النظم البيئية لأشجار القرم، وكلفت فريقا بحثيا من جامعة شيامن بقيادة الأكاديمي لين بنغ، الذي عرف بلقب “أبو القرم الصيني”، لبدء الدراسات والتجارب اللازمة.

كانت البداية متواضعة لكنها حاسمة، إذ نجح الفريق البحثي في زراعة حوالي خمسة هكتارات من الغابات التجريبية، لتكون النواة الأولى لعودة الحياة إلى المنطقة. وهذه الهكتارات الخمسة أثبتت أن إحياء غابات القرم ممكن، ومهدت الطريق لمشروع أضخم. وبناء على نجاح التجربة الأولى، نفذت شيامن مشروع إعادة التأهيل على مرحلتين، حيث شملت المرحلة الأولى إجراءات متكاملة من إزالة المزارع السمكية غير النظامية وتنظيف القنوات المائية وبناء الحواجز الترابية وزراعة 44 هكتارا من أشجار القرم بأنواع مختلفة مثل القرم القرمزي والقندل الساحلي، ثم أضافت المرحلة الثانية 36 هكتارا جديدة، لتصل المساحة الإجمالية إلى 85 هكتارا من غابات القرم المزروعة، ضمن منطقة ممتدة على 404 هكتارات تضم قنوات مائية وممرات خشبية ومرافق بيئية متكاملة. ولم يقتصر العمل على زيادة المساحة فقط، بل اهتم بالتنوع النباتي، فشملت الأنواع المزروعة القرم الرمادي والقرم القرمزي والقندل الساحلي والشورى القرمزي وريزوفورا روبرا، إلى جانب أنواع أخرى، مع مراعاة قدرتها على التكيف مع البيئة المحلية ودورها في إثراء النظام البيئي.

 

ومن أجمل ما يميز مشروع شيامن ذلك الإبداع في المزج بين العلم والجمال، حيث صمم البروفيسور لو تشانغي وفريقه لوحة فنية فريدة من نوعها: أشجار القرم ذات الارتفاعات المختلفة تشكل من الأعلى قلبا وخمس نجمات، في تصميم يحمل معنى “أحب الصين”. وقد تم هذا الإنجاز باستخدام تقنيات هندسية دقيقة، حيث صممت الأشكال باستخدام برامج الكمبيوتر لتتطابق مع خرائط الأقمار الصناعية، ثم حددت المواقع بدقة في الميدان، واستخدمت أنواع سريعة النمو مثل القرم الأبيض لتشكيل الخطوط العريضة للتصميم، بينما شكلت الأنواع المحلية البطيئة النمو الخلفية الخضراء، لتظهر اليوم لوحة فنية خضراء لا ترى إلا من السماء، تزين سطح البحر وتجمع بين الجمال وحماية البيئة. أما النتائج البيئية فكانت مبهرة، إذ تشير إحصاءات جامعة شيامن إلى أن عدد أنواع الأسماك والمحار والقشريات في منطقة القرم ارتفع بمقدار 2.4 ضعف، والكتلة الحيوية بمقدار 3.6 أضعاف، وعدد الكائنات الحية بمقدار 3.3 أضعاف، كما ازداد عدد أنواع الطيور من عشرات قليلة إلى ما بين 60 و70 نوعا، شملت أنواعا برية جديدة لم تكن موجودة سابقا.

 

ولم يتوقف العمل عند الزراعة، بل استمرت جهود الحماية والرعاية، حيث صمم البروفيسور لو تشانغي طائرة مسيرة خصيصا لمراقبة الآفات والأمراض التي تهدد الغابات، ويزور فريقه غابات القرم شهريا لإجراء فحوصات صحية دورية ليطمئنوا على نموها وسلامتها. ويقول لو تشانغي: “تبلغ مساحة غابات القرم اليوم 85 هكتارا، لتشكل منطقة عازلة خضراء تعمل حاجزا طبيعيا ضد الكوارث الطبيعية كالأعاصير والعواصف”. وهذا النجاح لم يمر دون أن يلحظه العالم، فقد زار المبعوث الأممي الخاص للمحيطات بيتر تومسون موقع شياتانوي مرتين، ووصفه في خطاباته حول العالم بأنه “نموذج يحتذى لاستعادة غابات القرم”، كما اختارته وزارة البيئة الصينية ضمن أفضل عشر ممارسات ناجحة في حماية التنوع البيولوجي على المستوى الوطني. وإلى جانب الفوائد البيئية، حققت غابات القرم عوائد اقتصادية مهمة، حيث أصبحت منطقة شياتانوي وجهة سياحية مفضلة تستقبل أكثر من 200 ألف زائر سنويا، ويصل عدد الزوار في يوم واحد إلى 46 ألف زائر، كما باتت تمثل مخزنا هاما للكربون، إذ تشير الدراسات إلى أن قدرة غابات القرم على تثبيت الكربون تفوق الغابات الاستوائية بعشر مرات.

 

واليوم، لم تعد غابات القرم محصورة في شياتانوي فقط، بل امتدت إلى بحيرة يوندانغ وخليج هايتسانغ ومناطق أخرى من المدينة. إنها قصة نجاح بدأت بخمسة هكتارات تجريبية ووصلت إلى 85 هكتارا، لتثبت أن الإرادة القوية والعلم الرشيد والعمل المتواصل قادرون على صنع المعجزات، وأن الطبيعة إذا أحسن الإنسان إليها، تكرمه بأجمل ما لديها. هكذا تحولت أرض المهملات إلى واحة خضراء، وعادت أشجار القرم لتغزو سواحل شيامن من جديد، حاملة معها الحياة والأمل والجمال، في واحدة من أجمل قصص التحول البيئي في عصرنا الحديث.

بواسطة: khelil

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

إقتباسات كلاسيكية للرئيس شي جين بينغ

في مئوية تأسيس الحزب الشيوعي الصيني

أخبار أذربيجان

مبادرة الحزام والطريق

سياحة وثقافة

حقائق شينجيانغ

حقائق تايوان

حقائق هونغ كونغ

هيا نتعرف على الصين

الدورتان السنويتان

الإتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكُتاب العرب أصدقاء الصين

النشر في شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

الإحصائيات


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *