شبكة طريق الحرير الاخبارية/
حياة الشيمي تكتب:
في قلب القاهرة، حيث يلتقي التاريخ بالنهر، تقف حديقة الحرية شاهدة على لحظة إنسانية وسياسية تتجاوز حدود الجغرافيا. هناك، أمام تمثال الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز تجمّع يوم الخميس ٥ مارس محبّون وناشطون ومتابعون للشأن اللاتيني لإحياء الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الرجل الذي ظلّ اسمه مرتبطًا بفكرة الكرامة الوطنية ومقاومة الهيمنة.
وجاءت هذه الفعالية بدعوة من سفير فنزويلا لدى القاهرة السيد ويلمر أولمار، الذي حرص على إحياء هذه المناسبة الرمزية بحضور الوزير المفوض بالسفارة السيد أنخيل هيريرا، إلى جانب طاقم السفارة الفنزويلية، وعدد من المثقفين والناشطين والسياسيين المهتمين بالعلاقات بين شعوب الجنوب.
لم يكن المشهد احتفالًا رسميًا بقدر ما كان استدعاءً للذاكرة. فالأصوات التي ترددت بين الأشجار وعلى ضفاف النيل لم تكن مجرد كلمات عن قائد رحل، بل كانت محاولة لاستعادة زمن آمن فيه كثيرون بإمكانية أن تغيّر السياسة حياة الناس البسطاء.
منذ رحيله في الخامس من مارس 2013، بقي تشافيز حاضرًا في الوجدان السياسي العالمي، وفي الضمير الإنساني. الرجل الذي جاء من خلفية عسكرية متواضعة قاد فنزويلا لسنوات عبر مشروع سياسي واجتماعي عُرف بالثورة البوليفارية، واضعًا العدالة الاجتماعية في قلب خطابه، ومتبنّيًا سياسات هدفت إلى تقليص الفوارق الطبقية وتوسيع برامج التعليم والصحة للفقراء.
في القاهرة، بدا تمثال تشافيز في حديقة الحرية وكأنه يستمع إلى شهادات الحاضرين. حيث تحدث المحتفلون عن رمزية التجربة اللاتينية في مقاومة الضغوط الدولية الإمبريالية والفاشية، واستعادوا مواقف تشافيز الداعمة لقضايا الجنوب العالمي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
لم تكن الكلمات وحدها حاضرة. فقد وُضعت الزهور عند قاعدة التمثال، والتقط المشاركون صورًا توثق لحظة رمزية تربط بين قارتين: أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وبين شعبين جمعتهما منذ خمسة وسبعين عاما فكرة الاستقلال والعدالة الاجتماعية.
في مثل هذه اللحظات، يتجاوز إحياء الذكرى مجرد استرجاع الماضي. إنه محاولة لفهم ما تبقى من إرث القادة بعد رحيلهم. فالأفكار التي حملها تشافيز تشبه كثيرا افكار الزعيم جمال عبد الناصر— وسواء اتفق معها البعض أو اختلف — لا تزال جزءًا من النقاش العالمي حول السيادة والتنمية والعدالة.
القاهرة، المدينة التي اعتادت استقبال رموز التاريخ من كل مكان، وجدت في حديقة الحرية مساحة مناسبة لهذا الاستذكار. .
وتم اختيار التماثيل لزعماء التحرر الوطني من مختلف الدول، والتي خاضت نضالا من أجل الحرية أو الاستقلال في بلادها، وأغلبها لقادة حركات الاستقلال في أمريكا اللاتينية والعالم، ولذلك سُمّيت الحديقة “حديقة الحرية”.
ومن بين هذه الشخصيات تماثيل : المهاتما غاندي قائد حركة استقلال الهند ضد الاستعمار البريطاني، وخوسيه دي سان مارتين – قائد استقلال الأرجنتين. وسيمون بوليفار – محرر عدة دول في أمريكا الجنوبية. وخوسيه مارتي، البطل القومي لكوبا وقد أصبح رمزًا لحركة الاستقلال الكوبية.
وجوزيبي غاريبالدي – من رموز توحيد إيطاليا. وبرناردو أوهيغينز – أحد قادة الاستقلال في تشيلي. وميغيل إيدالغو – من قادة استقلال المكسيك. وفرانسيسكو دي ميراندا – من رواد استقلال فنزويلا.
وبين تماثيل هذه الشخصيات العالمية التي أثرت في مسار شعوبها، يقف تمثال تشافيز كإشارة إلى أن الذاكرة السياسية لا تعرف حدودًا جغرافية.
وهكذا، في صباح هادئ على ضفاف النيل، بدا وكأن الذكرى الثالثة عشرة لرحيل تشافيز لم تكن مجرد مناسبة زمنية، بل لحظة تأمل في معنى القيادة، وفي قدرة الأفكار على السفر بعيدًا عن أوطانها لتجد صدى في أماكن أخرى من العالم.
وربما كان المشهد كله يلخّص الفكرة الأهم: أن بعض القادة لا يبقون في كتب التاريخ فقط، بل يستمر حضورهم في ذاكرة الناس، والأوطان، وفي الأماكن التي اختارت أن تحفظ قصتهم.
