عندما توجَّهتُ شرقًا

من كتاب ترابط العالم: ما وراء مبادرة “الحزام والطَّريق

الصين بعينٍ عربية: ما وراء “الحزام والطريق” كما ترويه لُجين

 

في زمنٍ عربيٍّ تتنازعه الحروب والعقوبات، ويعجز فيه كثيرٌ من الدول عن إعادة البناء، يظهر كتابٌ عربيٌّ يحاول أن ينظر إلى الصين لا بوصفها “لغزًا” ولا “مخلّصًا”، بل تجربةً تاريخيةً قابلة للتأمل. لُجين—كاتبة سورية جاءت إلى الصين من ذاكرة بلدٍ مثقوب—تكتب عن “الحزام والطريق” . لكنها تذهب أبعد من الطرق والجسور: إلى سؤال الإنسان، وفلسفة الحكم، ومعنى التنمية حين تصبح مشروعًا وطنيًا لا شعارًا موسميًا.

لماذا نحتاج هذا الكتاب الآن؟

ليس جديدًا أن يكتب العرب عن الصين، لكن الجديد هنا هو زاوية النظر. فكثيرٌ من الكتابات العربية تقف عند “لصين الاقتصادية”: أرقام النمو، المصانع، صادرات التكنولوجيا، أو صراعها مع واشنطن. وكتابات أخرى تنزلق إلى طرفين متقابلين: الانبهار السهل الذي يحوّل التجربة إلى أسطورة، أو الشكّ المطلق الذي يختزلها في مؤامرة. بين هذين الطرفين يختار كتاب الدكتورة لُجين مسارًا ثالثًا أكثر نضجًا: مسارًا ينطلق من تجربة شخصية ومعرفةٍ دراسية، لكنه يُصرّ على تحويل التجربة إلى أسئلة عامة تخصّ “الجنوب النامي”—ذلك العالم الذي يعرف الفقر والحصار وضعف الدولة، ثم يبحث عن طريق خروج لا يشبه الوعود الخطابية.

تكتب الدكتورة لُجين من موقعٍ غير محايد بالمعنى البارد للكلمة؛ فهي ابنة بلدٍ مجروح. غير أن هذا الانحياز الإنساني—بدل أن يُضعف الكتاب—يمنحه حرارةً وصدقًا. فحديث التنمية هنا ليس ترفًا أكاديميًا ولا تمرينًا نظريًا، بل محاولة لفهم ما يمكن أن تتعلّمه بلداننا حين يتعذّر عليها حتى امتلاك “خارطة طريق” للنهضة. ومن هنا يتحول سؤال الصين إلى سؤال عربي مباشر: ما الذي يجعل دولةً تتقدم خلال عقود قليلة، بينما تتعثر دولٌ تمتلك الموارد لكنها تفقد المشروع والحوكمة والإدارة؟

ولهذا يبدو فهرس الكتاب—منذ النظرة الأولى—إشارة إلى أننا أمام عملٍ منظّم، لا مجرد انطباعات. تبدأ لُجين بعنوانٍ دال: “عندما توجّهتُ شرقًا”، كأنه إعلانٌ عن انتقالٍ من الاستهلاك السهل للأخبار إلى محاولة فهمٍ أعمق للتجربة. ثم تفتح الباب لإهداءٍ موجعٍ وجميلٍ في آن: إلى أهلها وبلدها وأستاذها، وإلى أبناء الجنوب النامي الذين لا يريدون أن يخذلهم أحد.( شخصياً ما رأيت شخصا أحب بلده مثلها) وهذا الاستهلال ليس عاطفيًا فحسب؛ بل يضع القارئ أمام المفتاح الأخلاقي للكتاب: المعرفة هنا ليست ترفًا، بل بحثٌ عن أملٍ واقعي وسط الألم—أملٍ يُبنى بالأسئلة الصعبة، لا بالعبارات المريحة.

من الإهداء إلى الفكرة… “الجنوب النامي” بوصلة الكتاب

من الصفحات الأولى يعلن الكتاب نبرته: ليس تقريرًا تقنيًا عن مبادرة دولية، ولا سردًا سياحيًا. الإهداء نفسه يربط المعرفة بالجرح، ويربط الكاتب بمسؤولية أخلاقية تجاه الأهل والبلد وأبناء العالم النامي الذين لا يريدون أن يُخذَلوا مرةً أخرى. هذه البوصلة تفسّر كثيرًا من اختيارات الكاتبة: لماذا تكثر من الحديث عن الفقر، وعن التعليم، وعن “لإنسان” كغاية، وعن الدولة كأداة لإنتاج الأمل لا لتدوير الخيبة.

ومع أن عنوان الكتاب يحيل مباشرة إلى “الحزام والطريق” ، إلا أن القارئ يكتشف سريعًا أن المبادرة ليست سوى بوابة لبحثٍ أوسع: كيف تشتغل الصين داخليًا؟ ما معنى “التنمية عالية الجودة”؟ كيف تصوغ الدولة أهدافها؟ وما علاقة الفلسفة القديمة بالحكم الحديث؟ ثم كيف يمكن إسقاط هذه الأسئلة على واقعٍ عربي يعيش إعادة إعمارٍ محاصرة، واقتصادًا مكبّلًا، ودولًا تتنازعها الانقسامات؟

الصين ليست اقتصادًا فقط… إنها “فلسفة حكم

يُحسب للكتاب أنه لا يختصر الصين في المصنع والميناء. بل يذهب إلى جذورٍ أعمق: فكرة الدولة، وفلسفة الحكم، وعلاقة الثقافة السياسية القديمة بالمؤسسات الحديثة. وهذا مدخلٌ مهم للقارئ العربي؛ لأن أزمتنا ليست قلة الموارد وحدها، بل ضياع الفكرة: ماذا تريد الدولة؟ كيف ترى نفسها؟ ما هو معيار النجاح؟ وما معنى “المصلحة العامة” حين تصبح السياسة رهينة المحاصصة والولاءات؟

تضع الكاتبة القارئ أمام تقليدٍ صيني قديم يرى الفلسفة جزءًا من الحكم لا زينة فوقه. وفي الخيال السياسي الصيني—كما تقدّم لُجين—تتحول الحكمة إلى معيار للمسؤول، ويتحول السلوك العام إلى اختبار لشرعية الحاكم. قد يختلف القارئ في التفاصيل، لكن الرسالة واضحة: الدولة التي تتقدم ليست بالضرورة الأكثر صخبًا، بل الأكثر قدرة على تحويل “القيمة” إلى “سياسة”، و”لفكرة” إلى “نظام عمل” .

وهنا يلتقط الكتاب جوهر ما يهمنا عربياً: حين تتكلم الصين عن “التحديث”  فهي لا تعني التقنية وحدها، بل تعني أيضًا تنظيم المجتمع، والانضباط الإداري، واحترام الوقت، وتوجيه التعليم والبحث نحو هدف اقتصادي واجتماعي يمسّ معاش الناس.

التنمية عالية الجودة… حين يصبح الإنسان معيارًا … تنمية من أجل الناس.

يقدّم فصل التنمية إحدى أهم مساهمات الكتاب وأكثرها تماسًا مع أسئلتنا العربية الراهنة. فنحن اعتدنا في خطابنا العام أن نختزل التنمية في “مشروع كبير”  طريق سريع، جسر عملاق، أو برج زجاجي يلمع في الأفق. أما لُجين فتقارب الموضوع من زاوية مختلفة، وبأسلوب صحفي قريب من القارئ، لتشرح أن “لتنمية عالية الجودة”  ليست مجرد زيادة في الإنتاج أو اتساع في الناتج المحلي، بل انتقالٌ في معيار النجاح نفسه: من الكمّ إلى النوع، ومن الأرقام إلى نوعية الحياة.

بهذا المعنى، يصبح جوهر التنمية هو الإنسان: صحة وتعليم ورفاه، توازن بين المدينة والريف، بيئة أقل تلوثًا، عمل منظم، وسياسات تهدف إلى تقليل الفجوات الاجتماعية. واللافت أن الكاتبة لا تتعامل مع المفهوم بوصفه ملصقًا سياسيًا أو عبارة دعائية، بل تربطه بمسارٍ متدرّج: من القضاء على الفقر المدقع، إلى البحث عن “الرخاء المشترك”، ثم الانتقال إلى نمط نمو أقل استنزافًا وأكثر استدامة. وهنا يرى القارئ العربي التنمية وهي تُدار كسياسة عامة طويلة النفس، لا كحملة علاقات عامة سريعة.

وفي موضعٍ دال، يستعيد الكتاب معنى يبدو بسيطًا لكنه شديد العمق: لا يكفي بناء المدن إذا ظل الإنسان نفسه مهمّشًا أو محرومًا من التعليم والتأهيل. فالبنية التحتية وحدها لا تصنع نهضة، لأنها قد تمنح شكل الدولة دون روحها. النهضة تبدأ حين يتحول “العقل” إلى قوة إنتاج، وحين تصبح المدرسة والجامعة والبحث العلمي جزءًا من اقتصاد الدولة ومشروعها، لا هامشًا ملحقًا به.

ومن أجمل ما في هذا الفصل أن لُجين لا تكتفي بوصف الصين بأنها “نجحت”، بل تسأل السؤال الأهم: بأي معنى نجحت؟ هنا يتقدّم مفهوم “التنمية عالية الجودة” كما تلتقطه من الخطاب الرسمي الصيني ثم تعيد شرحه للقارئ العربي: ليس المقصود تحسين الصناعة وحدها، بل بناء رفاهٍ إنسانيّ أشمل—يتضمن الصحة النفسية والجسدية، وإنتاجية المجتمع، ومعنى الحياة الكريمة في دولة نامية صاعدة. وفي هذا السياق تتحول مفردات مثل “الرخاء المشترك” من شعارٍ سياسي إلى مشروع اجتماعي طويل النفس.

والأهم أن الكاتبة لا تعرض هذه الفكرة كتصريحٍ رسمي معزول، بل تربطها بما تقرأه من تجارب القضاء على الفقر وتنمية الأرياف وتضييق الفجوات، لتؤكد أن الأمر ليس “جُملاً” جميلة، بل سياسات تتراكم وتتحقق تدريجيًا. وهنا تكمن إحدى الإضافات العربية المهمة للكتاب: أنه يعيد تعريف التنمية خارج الخطاب المعتاد الذي يختصرها في “لنمو” أو “المشاريع”، ويضعها في إطار أوضح وأصدق: بناء إنسان قادر على العمل والعيش بكرامة—حين يصبح الإنسان معيارًا، لا زينةً في خطاب الدولة.

“الحزام والطريق”… مبادرة طرق أم رؤية للعالم؟

يدخل كثيرون إلى “الحزام والطريق” من زاوية الاستثمار والقروض والموانئ. الكتاب لا ينفي ذلك، لكنه يوسّع الدائرة: فالمبادرة—كما يقدّمها—ليست طريقًا واحدًا، بل شبكة ترابط: أشخاص، بضائع، معرفة، لوجستيات، تعاون بين دول الجنوب، ومسعى لتأسيس شكل جديد من العولمة لا يقوده مركز واحد؛ شكلٍ يمنح دول الجنوب مقعدًا على طاولة صنع القرار الدولي. هذه النقطة مهمّة للقارئ العربي؛ لأن المنطقة تقع جغرافيًا في قلب المسارات: ممرات بحرية، موانئ، طرق برية، ونقاط عبور بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تمرّ المبادرة من أراضينا؟ بل: هل نملك نحن مشروعًا وطنيًا يجعلنا شركاء لا مجرد ممرّ؟ هل نعرف ماذا نريد من الاستثمار؟ هل نربط الموانئ بالتصنيع المحلي وبالتعليم وبسلاسل القيمة، أم نكتفي بدور “الموقع”؟ يدفع الكتاب القارئ إلى التفكير في المبادرة كفرصة—ولكن أيضًا كاختبار. الفرصة هي الحصول على بنية تحتية وتمويل وتكنولوجيا وتبادل. أما الاختبار فهو: هل تملك الدولة العربية شروط الاستفادة؟ أم أن ضعف المؤسسات وصراعات الداخل ستلتهم أي فرصة كما التهمت فرصًا سابقة؟

السياسة الدولية في خلفية المشهد… والعقوبات في قلب الواقع العربي

ميزة الكتاب أنه لا يفصل الاقتصاد عن السياسة العالمية. ولأن الكاتبة سورية، فإن العقوبات ليست عندها مفهومًا مجردًا، بل واقعًا يوميًا يمنع إعادة الإعمار ويعاقب المجتمع أكثر مما يعاقب النخب. من هنا يصبح الحديث عن الصين جزءًا من سؤال أوسع: كيف يتحرك العالم؟ من يمتلك أدوات الحصار؟ ومن يمتلك أدوات البدائل؟ وما معنى أن تتحول المساعدة الدولية إلى سلاحٍ سياسي؟

تقارن الكاتبة—بوضوح قد يراه بعض القراء حادًا—بين نمطين في إدارة النفوذ الدولي: نمط يُتَّهم بالاحتلال ونهب الموارد، ونمط يقدّم نفسه عبر المبادرات الاقتصادية والشراكات. هنا ليس مطلوبًا من القارئ أن يتبنى حكمًا نهائيًا، لكن من المفيد أن يفهم لماذا يُنظر في أجزاء واسعة من الجنوب العالمي إلى الصين بوصفها “نافذة” وسط انسداد الغرب، وشريكًا يبني شراكاته على الاحترام المتبادل والكسب المشترك.

وفي هذا السياق يتقاطع الكتاب مع أسئلة عربية راهنة: سوريا، العراق، اليمن، السودان، ليبيا… كلها دول أو مجتمعات تحتاج إعادة إعمار لكنها تصطدم بحسابات دولية. وفي كل حالة تصبح التنمية ملفًا سياسيًا بامتياز. والكتاب يذكّرنا بأن من لا يملك مشروعًا داخليًا متماسكًا سيتحول إلى ملعب لتوازنات الخارج مهما تغيّرت الأقطاب.

ما اختبرته الكاتبة بنفسها… حين تتحول التجربة إلى “حجة” والألم إل أمل .

جزء “ما اختبرته بنفسي” ليس استراحة أدبية، بل قلب الكتاب. هنا تتكلم لُجين عن الحياة اليومية، وعن صدمة الفارق المعرفي، وعن العمل الشاق، وعن الإحساس بأن العمر يتبخر بين الدراسة والبعد عن الأهل، وعن أن الوجع لا يغادر حتى لو تغيّر المكان. هذه الصفحات تمنح الكتاب صدقه، لأنها تقول للقارئ العربي إن المعرفة ليست منفصلة عن الألم، وإن أي حديث عن الدولة والتنمية يبدأ من تجربة إنسان يبحث عن معنى حياته وسط عالمٍ قاسٍ. وفي لحظة مكثفة تقدم الكاتبة ما تسميه “وصفة” لمواجهة المعضلات، ويأتي الاقتباس الثاني (قصير جدًا): “الألم، والأمل، والصبر.”

هذه العبارة تلخص روح الكتاب: التنمية ليست قفزة سحرية، بل مسار طويل يبدأ من الاعتراف بالألم دون استسلام، ومن صناعة الأمل دون أوهام، ومن الصبر بوصفه سياسة مجتمع لا مجرد نصيحة فردية.

لغة الكتاب: صحافةٌ تتعلّم من الأكاديمية… وإنسانيةٌ تُنقذ المعرفة من الجفاف

لو كان كتاب لُجين بحثًا أكاديميًا صرفًا لفقد كثيرًا من روحه. ولو كان سيرةً ذاتيةً خالصة لفقد كثيرًا من قيمته المعرفية. غير أنّه ينجح—وذلك من أصعب ما يمكن—في الجمع بين الأمرين: لغةٌ صحفيةٌ تُحسن الإصغاء للتفاصيل، وعقلٌ أكاديميٌ يرفض الاكتفاء بالانطباع. وهذه المزاوجة ليست ترفًا أسلوبيًا، بل جزء من قوة الكتاب ومنطق بنائه الداخلي.

في أكثر من موضع يعود الصوت الإنساني للكاتبة إلى السطح دون استئذان: الغربة والحنين، والخوف من أن تصبح البلاد “غير التي نعرفها” حين نعود، وكيف يمكن لأغنيةٍ واحدة أن تُسقط الأقنعة كلها وتعيد الحرب إلى الرأس دفعةً واحدة. وفي موضع آخر لا تُكتب “الفاجعة” كمجاز عام، بل كمشهدٍ عائليّ محدّد: تفاصيل طفولةٍ لا تُشترى، وزمنٌ يتبخّر ويأخذ معه ما لا يُعاد. هنا ندرك أن هذه الصفحات ليست “زينة أدبية” ولا استطرادًا عاطفيًا؛ إنها تقوم بوظيفة تحليلية عميقة: تقول للقارئ العربي إن المعرفة لا تنفصل عن جرحنا، وإن الحديث عن الصين أو التنمية أو الدولة يبدأ—قبل المفاهيم الكبيرة—من سؤالٍ إنسانيّ بسيط وقاسٍ: كيف نعيش؟ وكيف ننجو؟ ومن هذه النقطة تتماسك اللغة والأسلوب: فالكتاب يُكتب بروح قريبة من الصحافة—عناوين واضحة، فقرات قابلة للقراءة، ومشاهد صغيرة تفتح للقارئ “مدخلًا” إلى الأفكار بدل أن تُغلقها عليه. لكنه في الوقت نفسه لا يكتفي بسحر الحكاية؛ بل يُصرّ على وضع المفاهيم في سياقها، وعلى ضبط المصطلحات بدل تركها معلّقة في الهواء: فلسفة الحكم، مفهوم الدولة، التنمية عالية الجودة، الرخاء المشترك، مجتمع المصير المشترك، وتعددية الأقطاب… مفاهيم تُشرح وتُفكّك بقدرٍ كافٍ لتنتقل من كونها “شعارات دولية” إلى أدوات فهم. والنتيجة أن القارئ يشعر أنه أمام كتابٍ يعرف كيف يوازن بين الدفء والدقة: السرد يفتح الباب، والتحليل يثبت المعنى. لذلك يتّسع جمهور الكتاب طبيعيًا دون أن يتنازل عن مستواه: القارئ العام الذي يريد فهم الصين دون تعقيد، والمهتم بالشأن الدولي الباحث عن زاوية عربية لا تُكرر المألوف، والباحث الذي يحتاج مادة أولية عن كيفية تلقّي مبادرات الصين في الوعي العربي—ليس بوصفها سياسة فقط، بل بوصفها سؤالًا يمرّ عبر الإنسان، ثم يصل إلى الدولة، ثم إلى العالم.

ما الذي يضيفه الكتاب للثقافة العربية؟

الإضافة الأولى هي تغيير زاوية النظر: الصين ليست مرجعًا بعيدًا، بل تجربة يمكن مساءلتها بأدواتنا: ما الذي يناسبنا؟ ما الذي لا يناسب؟ وما الذي يحتاج شرطًا سياسيًا وثقافيًا لا نملكه بعد؟

الإضافة الثانية هي إعادة تعريف التنمية: ليست مشاريع ضخمة، بل بناء إنسان، مؤسسات، تعليم، وقدرة على التنفيذ.

الإضافة الثالثة هي ربط الداخل بالخارج: أي أن التنمية في الجنوب لا تنجح إن كانت الدولة ضعيفة أو ممزقة، ولا تنجح أيضًا إن كانت محاصرة دون بدائل.

والإضافة الرابعة—وهي الأهم—أن الكتاب يعيد الاعتبار لفكرة “الدولة بوصفها مشروعًا”: الدولة ليست كيانًا محايدًا ولا مجرد جهاز قمع؛ الدولة التي تنهض هي الدولة التي ترى التعليم والبحث والاقتصاد والعدالة الاجتماعية أجزاء من أمنها القومي.

الكتاب والربط العربي الراهن… إعادة الإعمار والعقوبات وسؤال الدولة والتحول الدولي

إذا قرأنا كتاب لُجين من زاوية عربية مباشرة، فلن نجده كتابًا “عن الصين” فحسب، بل عدّة عمل فكرية تلامس ملفاتنا الأكثر إلحاحًا: إعادة الإعمار، أثر العقوبات، سؤال الدولة، والتحوّل في النظام الدولي. إنه يضيء سؤالين مؤجَّلين في وعينا العربي: كيف تُبنى الدولة الحديثة؟ وكيف تتحوّل المعاناة إلى برنامج عمل لا إلى مرثية؟

في ملف إعادة الإعمار يذكّرنا الكتاب بأن الإعمار ليس إسمنتًا وحديدًا فقط، بل سياسة عامة: تعليم، توظيف، وإعادة بناء مؤسسات. فإعمارٌ بلا مشروع للإنسان يعيد إنتاج الأزمة بأدوات جديدة. ومن هنا تُعيد لُجين تعريف التنمية خارج القوالب الشائعة: تكتب عن التحوّل الحضري والتحديث الاقتصادي، ثم تختصر الدرس في قاعدة واضحة: “الحجر وحده لا يبني مدنًا”؛ لأن المدينة ليست عمرانًا فقط، بل عقلٌ مُؤهَّل، ومجتمعٌ قادر، ومؤسسات تعمل على مدى طويل. لذلك تؤكد أن التنمية لا تُفرض من الخارج ولا تُستورد جاهزة، ولا يحققها الاستثمار وحده، بل تُبنى عبر تأهيل الإنسان وتغيير العقليات بعملٍ اجتماعي طويل النفس يراكم الخبرة والثقة والمعنى.

العقوبات: خنق المجتمع لا ضغط السلطة .

يتعامل الكتاب مع العقوبات بوصفها اختبارًا مركبًا؛ ففي عالمنا العربي لم تعد العقوبات أداة ضغط على السلطة وحدها، بل تحوّلت في كثير من الحالات إلى آلية خنق للمجتمع نفسه: تُضعف الطبقات الوسطى، وتدفع الاقتصاد إلى مسارات هشة، وتفتح أبوابًا واسعة للفساد والاقتصاد الموازي. ومن هنا يصبح البحث عن شركاء وبدائل ليس خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل جزءًا من أمن الدولة الاجتماعي وقدرتها على حماية مجتمعها من الانهيار البطيء.

سؤال الدولة: دولة تُدار لا دولة تُخطب.

ومن أكثر ما يلفت في الكتاب أنه يعيد طرح سؤال الدولة بعيدًا عن البلاغة. فالمطلوب عربيًا—كما توحي تجربة الكتاب—ليس دولة “تُخطب” على المنابر، بل دولة تُدار: تخطيط طويل المدى، تنفيذ، قياس أداء، محاسبة، ومؤسسات لا تُختصر في الأشخاص. الدولة الفاعلة ليست شعارات؛ إنها القدرة على إدارة الزمن وإدارة الموارد وإدارة التوقعات، وتوفير معاش الناس.

 

التحول في النظام الدولي: الخارج لا يعوّض الداخل

وفي لحظة التحوّل العالمي نحو تعددية الأقطاب، يلتقط الكتاب مفارقة دقيقة: نعم، تعددية الأقطاب تفتح فرصًا للتفاوض وتوسيع هامش الحركة، لكنها لا تُنقذ دولة بلا مشروع داخلي. فالعالم الخارجي لا يعوّض الداخل، بل يضاعف نتائجه: إن كانت الدولة قوية استفادت من التحوّل، وإن كانت ضعيفة التهمتها المنافسات أو جُرّت إلى اصطفافا مُكلفاً ..

بهذا المعنى، كتاب لُجين كتابٌ عن الصين… لكنه أيضًا كتابٌ عن لحظتنا العربية: ما الذي يمنعنا من بناء مشروع دولة حديثة؟ وكيف نحول الألم إلى برنامج، لا إلى رثاء؟

خاتمة لكتاب كبير جاء في وقته

في النهاية، لا يبيع كتاب لُجين “وصفة سحرية” ،  ولا يدّعي أن تجربة الصين قابلة للاستنساخ كما هي؛ لكنه يقدّمها كخبرة تُستفزّ بها أسئلتنا العربية. قوته أنه يربط التنمية بالإنسان وبالدولة وبالزمن الطويل، لا باللافتات. وهو يذكّرنا أن إعادة الإعمار ليست هندسةً فقط، بل حوكمة ومعرفة ومؤسسات، وأن العقوبات ليست حدثًا خارجيًا عابرًا بل اختبارٌ لقدرة الدول على صناعة البدائل وحماية المجتمع. وفي خاتمة الكتاب تعترف لُجين بصدقٍ مؤثر أنها حين راجعت مخططها شعرت أنها لم تكتب كتابًا فحسب، بل “صاغت تجربتها في جرعة ألم”، وتطلب من القارئ مسامحة ما حملته الصفحات من وجع. ثم تعود لتؤكد حق “دول الجنوب النامي” في حياةٍ أفضل: لحظة يتحوّل فيها الألم إلى أفق، والخسارة إلى معنى، والمعرفة إلى مستقبل.

هذه الخاتمة تختصر روح الكتاب: المعرفة ليست عرضًا محايدًا، بل سعيٌ أخلاقيٌّ لإنقاذ الإنسان من تكرار الفشل. لذلك يمكن القول بثقة إن ترابط العالم: ما وراء مبادرة “الحزام والطريق” ليس عنوانًا عابرًا في رف “كتب الصين”، بل إضافة عربية معتبرة إلى أدبيات فهم التحول العالمي من زاوية الجنوب؛ كتابٌ ينجح في تقديم الصين للقارئ العربي بأسلوبٍ صحفيٍّ سلس حين يسرد، وبنَفَسٍ أكاديمي واضح حين يشرح المفاهيم، وبصدقٍ إنسانيٍّ نادر حين يواجه جرح الحرب والغربة دون ابتذال.

أما الكاتبة لُجين، فهي تستحق التقريظ لأنها أنجزت ما لا يجرؤ عليه كثيرون: أن تكتب عن قوة عالمية كبرى دون أن تفقد صوتها الإنساني، ودون إسقاطٍ أعمى لتجربتها الخاصة، ودون الاستسلام لكسل الأحكام الجاهزة. بهذا المعنى، كتاب لُجين ليس تعريفًا بالصين فقط، بل مرآة عربية: يضع أمامنا سؤال النهضة بلغة سلسة، وعاطفة منضبطة، وطموح معرفي واضح. وهو يستحق النشر والاحتفاء لأنه يجرؤ على نقل التجربة العالمية إلى القارئ العربي من زاوية “الجنوب النامي”، ويعامل التنمية كحق إنساني ومسؤولية دولة—لا كخطبة سياسية. ومن جانبي وقد عاصرت الكاتبة فما رأيت كاتبة أحبت بلدها مثل هذه الاكاديمية الشابة .. وحب الوطن من الإيمان.

 

سفير أ. د. جعفر كرار أحمد

متخصص في الشؤون الصينية-العربية

باحث بمركز الدراسات الصيني-العربي للإصلاح والتنمية

جامعة شنغهاي للدراسات الدولية (SISU)