Saturday 21st February 2026
شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

الترجمة ودورها في تعزيز التلاقح الثقافي بين المغرب والصين: دراسة في الوساطة الحضارية وإعادة تشكيل المعنى العابر للحدود

منذ ساعة واحدة في 21/فبراير/2026

شبكة طريق الحرير الاخبارية/

 

الترجمة ودورها في تعزيز التلاقح الثقافي بين المغرب والصين:

دراسة في الوساطة الحضارية وإعادة تشكيل المعنى العابر للحدود

 

بقلم الأستاذة الدكتورة كريمة عللي المتخصصة في العلاقات العربية الصينية
عضو الإتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين فرع المملكة المغربية

 

الملخص

تُعدّ الترجمة من أهم آليات التواصل الحضاري التي أسهمت في بناء الجسور بين الأمم والثقافات، فهي ليست مجرد نقل لغوي للنصوص، بل فعل ثقافي وحضاري يعيد إنتاج المعنى داخل سياقات جديدة. يهدف هذا المقال إلى دراسة دور الترجمة في تعزيز التلاقح الثقافي بين المغرب والصين، باعتبارهما فضاءين حضاريين يمتلكان تاريخًا عريقًا وتقاليد ثقافية متجذّرة. تنطلق الدراسة من مقاربة نظرية تستند إلى مفاهيم الترجمة الثقافية، والوساطة الحضارية، ونظرية التكافؤ الديناميكي، ونظرية الأنظمة المتعددة، لتفكيك آليات اشتغال الترجمة في السياق المغربي-الصيني. كما تتناول الدراسة التطور التاريخي للعلاقات الثقافية بين البلدين، وتحلل دور المؤسسات الأكاديمية والثقافية، من قبيل معهد كونفوشيوس، والجامعات المغربية والصينية، في دعم حركة الترجمة. وتخلص الدراسة إلى أن الترجمة تمثل رافعة استراتيجية لتعميق الفهم المتبادل، وتعزيز الدبلوماسية الثقافية، وإعادة تشكيل الصور الذهنية المتبادلة، رغم ما يواجهها من تحديات لغوية وسياقية ومؤسساتية.

**الكلمات المفتاحية:** الترجمة، التلاقح الثقافي، المغرب، الصين ، الدبلوماسية الثقافية.

 

المقدمة

شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في بنية العلاقات الدولية، حيث لم تعد القوة الصلبة وحدها محددًا لمكانة الدول، بل برزت القوة الناعمة باعتبارها أداة مؤثرة في تشكيل العلاقات الدولية. وفي هذا السياق، تكتسب الترجمة أهمية متزايدة باعتبارها أداة مركزية في نقل المعارف والقيم والرموز بين الثقافات.

تندرج العلاقات المغربية الصينية ضمن هذا التحول، خاصة بعد إطلاق مبادرة مبادرة الحزام والطريق التي أعادت تشكيل شبكة التبادلات الاقتصادية والثقافية بين الصين وعدد من الدول، من بينها المغرب. وقد تعززت هذه العلاقات بعد الزيارة الملكية إلى الصين سنة 2016، التي أسست لشراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

غير أن تعزيز التلاقح الثقافي بين البلدين لا يمكن أن يتحقق دون آلية فعالة لنقل المعنى، وهنا تبرز الترجمة بوصفها وسيطًا حضاريًا يعيد تشكيل الخطابات الثقافية داخل فضاء الآخر.

 

أولاً: الإطار النظري لمفهوم الترجمة والتلاقح الثقافي

1. الترجمة بوصفها فعلًا ثقافيًا

تجاوزت دراسات الترجمة النظرة التقليدية التي تحصرها في نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، لتعتبرها نشاطًا ثقافيًا يشتغل داخل شبكة من القيم والمرجعيات. يرى Lawrence Venuti أن الترجمة عملية تأويلية تتأثر بالبنية الثقافية للغة المستقبِلة، مما يجعل المترجم فاعلًا ثقافيًا لا ناقلًا محايدًا.

كما تؤكد Susan Bassnett أن الترجمة تلعب دورًا في إعادة كتابة النصوص بما يخدم السياق الثقافي الجديد، وهو ما يمنحها بعدًا إيديولوجيًا وحضاريًا.

2. التلاقح الثقافي: من الصدام إلى الحوار

يختلف مفهوم التلاقح الثقافي عن أطروحات الصدام الحضاري، مثل أطروحة Samuel Huntington، إذ يقوم على فكرة التفاعل الخلّاق بين الثقافات، حيث يتم تبادل العناصر المعرفية والرمزية في إطار من الاحترام المتبادل.

وتُعدّ الترجمة إحدى أهم أدوات هذا التلاقح، لأنها تتيح إمكانية فهم النصوص المؤسسة للهوية الثقافية لدى الآخر.

3. نظرية الأنظمة المتعددة

تُعدّ نظرية Itamar Even-Zohar من النظريات الأساسية لفهم موقع الترجمة داخل النظام الأدبي. فالنصوص المترجمة قد تلعب دورًا مركزيًا في إعادة تشكيل النظام الأدبي المحلي، خاصة في فترات التحول الثقافي.

ثانيًا: الجذور التاريخية للتبادل الثقافي المغربي الصيني

رغم البعد الجغرافي بين المغرب والصين، فإن العلاقات بينهما تمتد إلى قرون عبر طرق التجارة القديمة، خاصة طريق الحرير البحري. وتشير بعض المصادر إلى زيارة الرحالة المغربي ابن بطوطة إلى الصين في القرن الرابع عشر، حيث دوّن مشاهداته في كتابه الشهير تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.

وقد شكلت هذه الرحلات أولى أشكال الوساطة الثقافية، وإن لم تكن ترجمة مؤسساتية بالمعنى الحديث، إلا أنها أسهمت في نقل صور عن المجتمع الصيني إلى المجال الثقافي الإسلامي.

ثالثًا: الترجمة في السياق المعاصر للعلاقات المغربية الصينية

1. الترجمة الأكاديمية

شهدت الجامعات المغربية خلال العقدين الأخيرين إدراج اللغة الصينية ضمن برامجها، خاصة مع تأسيس فروع لـ معهد كونفوشيوس. وقد أسهم ذلك في تكوين جيل من المترجمين القادرين على نقل الأدب والفكر الصيني إلى العربية.

في المقابل، بدأت بعض الجامعات الصينية في تدريس اللغة العربية والدراسات المغربية، مما عزز حركة الترجمة في الاتجاهين.

2. ترجمة الأدب

تمثل ترجمة الأدب أحد أهم مجالات التلاقح الثقافي. فقد تمت ترجمة أعمال للأديب الصيني Mo Yan إلى العربية، ما أتاح للقارئ المغربي الاطلاع على التحولات الاجتماعية في الصين المعاصرة.

كما تُرجم بعض الأدب المغربي إلى الصينية، خاصة أعمال كتاب مغاربة معاصرين، مما ساهم في تقديم صورة جديدة عن المجتمع المغربي.

رابعًا: الترجمة كأداة للدبلوماسية الثقافية

تُعدّ الترجمة جزءًا من استراتيجية القوة الناعمة. وقد عملت الصين عبر مؤسساتها الثقافية على نشر اللغة والثقافة الصينية عالميًا. كما يسعى المغرب إلى تعزيز حضوره الثقافي في آسيا.

وفي هذا الإطار، تسهم الترجمة في:

* تصحيح الصور النمطية المتبادلة
* تعزيز التفاهم السياسي
* دعم التعاون الاقتصادي
* خلق فضاء معرفي مشترك

خامسًا: تحديات الترجمة بين العربية والصينية

1. التحديات اللغوية

تختلف اللغة العربية جذريًا عن اللغة الصينية من حيث البنية النحوية والنظام الكتابي، مما يفرض صعوبات في نقل المعنى الدقيق.
2. التحديات الثقافية

تحتوي النصوص الصينية على إحالات فلسفية مستمدة من الكونفوشيوسية والطاوية، مثل فكر كونفوشيوس، وهو ما يتطلب معرفة عميقة بالسياق الحضاري.
3. محدودية التكوين المتخصص

لا يزال عدد المترجمين المتخصصين في الترجمة العربية-الصينية محدودًا مقارنة بحجم العلاقات الاقتصادية المتنامية.


سادسًا: آفاق تطوير الترجمة لتعزيز التلاقح الثقافي

يمكن اقتراح مجموعة من الآليات لتعزيز دور الترجمة:

1. إنشاء مراكز بحث مشتركة للترجمة.
2. دعم برامج الترجمة الأدبية المتبادلة.
3. إدماج الترجمة ضمن السياسات الثقافية الرسمية.
4. تطوير برامج تكوين مزدوج في الدراسات الصينية والعربية.
5. دعم النشر المشترك بين دور النشر في البلدين.

الخاتمة

تؤكد هذه الدراسة أن الترجمة ليست مجرد تقنية لغوية، بل هي مشروع حضاري يعيد بناء الجسور بين الثقافات. وفي السياق المغربي الصيني، تمثل الترجمة أداة استراتيجية لتعزيز التلاقح الثقافي، وترسيخ الحوار الحضاري، ودعم الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي تطوير البنية المؤسساتية، وتوسيع قاعدة المترجمين المتخصصين، وتعميق الوعي بأهمية الترجمة بوصفها رافعة للقوة الناعمة.

لائحة المراجع

Bassnett, S. (2014). *Translation studies* (4th ed.). Routledge.

Even-Zohar, I. (1990). Polysystem studies. *Poetics Today, 11*(1), 9–26.

Huntington, S. P. (1996). *The clash of civilizations and the remaking of world order*. Simon & Schuster.

Nida, E. (1964). *Toward a science of translating*. Brill.

Venuti, L. (1995). *The translator’s invisibility: A history of translation*. Routledge.

Toury, G. (1995). *Descriptive translation studies and beyond*. John Benjamins.

王宁. (2010). 跨文化研究与翻译. 北京大学出版社.

李宇明. (2015). 语言与文化传播. 商务印书馆.

ابن بطوطة. (2002). *تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار*. دار صادر.

وزارة الثقافة المغربية. (2020). تقرير التعاون الثقافي المغربي الصيني.

بواسطة: khelil

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

الجزائر والصين.. علاقات وتميز

إقتباسات كلاسيكية للرئيس شي جين بينغ

في مئوية تأسيس الحزب الشيوعي الصيني

أخبار أذربيجان

مبادرة الحزام والطريق

سياحة وثقافة

حقائق شينجيانغ

حقائق تايوان

حقائق هونغ كونغ

هيا نتعرف على الصين

الدورتان السنويتان 2020-2024

الإتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكُتاب العرب أصدقاء الصين

النشر في شبكة طريق الحرير الصيني الإخبارية

الإحصائيات


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *