شبكة طريق الحرير الإخبارية/
بقلم السيد / تورال رضاييف
سعادة سفير جمهورية اذربيجان لدى الجزائر
تحلّ الذكرى السادسة والثلاثون لمأساة 20 يناير 1990، ذلك الحدث الأليم الذي شكّل إحدى أكثر الصفحات دموية في تاريخ أذربيجان الحديث، حين أقدمت قوات الاتحاد السوفييتي السابق، في ليلة 19–20 يناير، على استخدام القوة العسكرية الغاشمة ضد المدنيين العزّل في مدينة باكو، في محاولة يائسة لإخماد تطلعات الشعب الأذربيجاني إلى الحرية والاستقلال.
لقد مضت ستة وثلاثون عامًا على تلك الأحداث المأساوية التي عُرفت في الذاكرة الوطنية بـ«يناير الأسود»، وما زالت آثارها المؤلمة حاضرة في وجدان شعبنا، باعتبارها رمزًا للتضحيات الجسيمة التي قُدّمت على طريق الاستقلال والسيادة الوطنية.
إن التطورات التي شهدتها أذربيجان في أواخر عام 1987، ولا سيما ما كان يُعرف آنذاك بقضية ناغورنو كاراباغ، لم تكن سوى محاولة ممنهجة للمساس بالسلامة الإقليمية لجمهورية أذربيجان، واحتلال أراضيها، وتهجير مئات الآلاف من الأذربيجانيين من ديارهم في أرمينيا وناغورنو كاراباغ سابقًا. وقد مثّل هذا النزاع امتدادًا لسياسات طويلة الأمد شملت التوطين القسري والتطهير العرقي التي تعرّض لها شعبنا عبر القرنين التاسع عشر والعشرين.
إن الموقف المنحاز لقيادة الاتحاد السوفييتي آنذاك، سواء عبر الدعم المباشر أو غير المباشر للمطالب الإقليمية غير المشروعة لجمهورية أرمينيا السوفييتية الاشتراكية، إضافة إلى التحريض الانفصالي والعنف الجماعي ضد المواطنين الأذربيجانيين، دفع شعبنا إلى التحرك دفاعًا عن أراضيه وسيادة دولته. وهكذا تشكّلت حركة شعبية واسعة تحولت تدريجيًا إلى حركة تحرر وطني شاملة.
وقد أثارت هذه الإرادة الشعبية المتصاعدة قلق القيادة السوفييتية، التي لجأت إلى ارتكاب جريمة جسيمة سرّعت فعليًا من تفكك النظام السوفييتي الشمولي. ففي ليلة 19–20 يناير 1990، فُرضت حالة الطوارئ في مدينة باكو دون سابق إنذار للسكان، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية والتشريعات الوطنية. وأسفر التدخل العسكري، الذي شاركت فيه وحدات من الجيش السوفييتي والقوات الخاصة وقوات داخلية وعناصر احتياط من مناطق أخرى، عن سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح ومفقود من المدنيين الأبرياء.
كما أدت هذه الجريمة ضد الإنسانية إلى تهجير قسري جديد للأذربيجانيين من أراضيهم التاريخية في أرمينيا الحالية، وراح ضحيتها نساء وأطفال وكبار سن في باكو ومدن ومناطق أخرى من البلاد، نتيجة مزاعم إقليمية لا أساس لها من الصحة.
وقد أسفرت تلك الأحداث عن مقتل نحو 150 مدنيًا، وإصابة 744 شخصًا، واعتقال 841 شخصًا بشكل غير قانوني.
وفي 21 يناير 1990، وقف الزعيم الوطني الكبير حيدر علييف موقفًا شجاعًا حين توجّه إلى الممثلية الدائمة لأذربيجان في موسكو، وأدان علنًا الجرائم المرتكبة، محمّلًا سلطات الاتحاد السوفييتي والقيادة المحلية آنذاك المسؤولية الكاملة عن المجزرة. وقد لاقت هذه الإدانة صدى واسعًا لدى القوى التقدمية في العالم، التي شجبت الإرهاب الذي تعرّض له الشعب الأذربيجاني.
ولم يتم الاعتراف الرسمي بالمأساة وتقييمها سياسيًا وقانونيًا على المستوى الوطني إلا بعد سنوات، بفضل مبادرة الزعيم حيدر علييف.
لقد دفع الشعب الأذربيجاني ثمنًا باهظًا من أرواح أبنائه في 20 يناير 1990، إلا أن إرادته لم تنكسر، وعزيمته لم تضعف. فقد خطّ الشهداء بدمائهم صفحة مشرقة في تاريخ أذربيجان، مؤكدين أن طريق الحرية لا يُرسم إلا بالتضحيات.
وفي تسعينيات القرن الماضي، واجهت أذربيجان تحديات جسيمة تمثلت في الانفصالية الداخلية، والعدوان الأرمني، والنضال من أجل الاستقلال. ولم تتحرر الأراضي المحتلة إلا خلال حرب الـ44 يومًا عام 2020، وعملية مكافحة الإرهاب التي استمرت يومًا واحدًا في عام 2023.
ورغم استعادة السيادة الإقليمية، فإن استمرار تسليح أرمينيا يشكل اليوم مصدر قلق جديد لمنطقة جنوب القوقاز. وقد حذّرت أذربيجان مرارًا من أن هذا النهج قد يقود إلى توترات جديدة، في وقت تسعى فيه باكو إلى السلام والاستقرار. إلا أن سياسات الانتقام والتدخلات الخارجية لا تزال تعرقل فرص السلام الدائم.
وتواصل أذربيجان، في الوقت ذاته، جهود إعادة الإعمار في مناطق كاراباغ وزنجزور الشرقية، حيث خُصصت مليارات المانات لإعادة بناء البنية التحتية، وتأمين عودة النازحين، الذين بدأوا بالفعل بالاستقرار في عشرات البلدات المحررة.
إننا نؤمن بأن السلام العادل والدائم لا يمكن تحقيقه إلا من خلال احترام القانون الدولي، وتخلي أرمينيا عن مطالبها الإقليمية، وتنفيذ الالتزامات الواردة في إعلان 10 نوفمبر 2020، بما في ذلك فتح قنوات الاتصال الإقليمية، ومنها ممر زنغزور، دون المساس بسيادة أي دولة.
وفي هذه الذكرى السادسة والثلاثين، نقف وقفة إجلال وترحّم على أرواح شهداء 20 يناير 1990، وجميع شهداء أذربيجان والجزائر، الذين ضحّوا بأرواحهم دفاعًا عن الوطن والحرية والكرامة. إن بطولتهم ستظل منارة تهدي الأجيال القادمة، ودليلًا على أن الشعوب التي تناضل بشرف لا بد أن تنتصر.