شبكة طريق الحرير الإخبارية/
د. يربان الحسين الخراشي
في منعطف تاريخي حاسم، يتزامن مع الذكرى الثمانين للانتصار على الفاشية وانطلاق خطة الصين الخمسية الخامسة عشرة( 2026-2030)، تأتي أضخم صفقة أسلحة أمريكية على الإطلاق لتايوان لتثير عاصفة من التساؤلات والتكهنات. إن هذا المشهد، رغم زخمه العسكري، لا يمكنه حجب الرؤية عن لب القضية، فالحقيقة التي لا تقبل التأويل هي أن مسألة تايوان ليست سوى إرث تاريخي للحرب الأهلية الصينية، طال أمده بفعل التدخلات الخارجية.
والواقع الجيوسياسي المعاصر مهما بلغ من التعقيد لا يمكنه القفز فوق الحقيقة الراسخة بأن السيادة الصينية على تايوان ليست نتاج الأمس، بل هي حقيقة ضاربة في عمق التاريخ؛ فمنذ عام 230 ميلادية (عصر الممالك الثلاث)، وثقت مخطوطة لينغ هاي شوي تو تشي (سجلات الأحوال الجوية والطبيعية للأراضي الساحلية) الوجود الصيني في الجزيرة، لتبدأ رحلة من التراكم الإداري عبر عهدي أسرتي سونغ ويوان، حيث كانت تايوان تُدار إدارياً من البر الرئيسي، وقد تجلى هذا الانتماء في أبهى صوره حين قاد القائد تشنغ تشنغ غونغ في عام1661 أول حركة تحرر وطني ضد المستعمرين الهولنديين، معلناً صراحة أن تايوان هي أرض صينية أصيلة، ومطبقاً نظاماً إدارياً صينياً كاملاً بعد طردهم، ولم تكن الخرائط الفرنسية الصادرة في عام 1735 التي وصفت الجزيرة بوضوح كجزء من مقاطعة فوجيان إلا انعكاساً لواقع سياسي ترسخ عبر العصور، وصولاً إلى المحطة المفصلية في عام 1885، حيث قامت إمبراطورية تشينغ (1644-1912) رداً على الأطماع الاستعمارية المتصاعدة والتهديدات الدولية، برفع مكانة تايوان رسمياً لتصبح مقاطعة كاملة الأركان، هذا الإجراء لم يمكن مجرد إعادة تنظيم داخلي، بل كان حَسماً قانونياً للسيادة الصينية وفقاً لمفاهيم القانون الدولي الحديث، عبر تكريس الإدارة المباشرة والكاملة للحكومة المركزية على الجزيرة.
ومن هذا المنطلق، فإن اقتطاع تايوان قسراً بموجب معاهدة شيمونوسيكي غير العادلة عام 1895 عقب الحرب الصينية اليابانية، لم يكن ليلغي حقاً تاريخياً راسخاً، بل جعل من استعادة السيادة وعودتها إلى حضن الوطن الأم عام 1945 بعد خمسين عاماً من الاحتلال استحقاقاً وطنياً، وتجسيداً لأسمى المواثيق الدولية التي أسست للنظام العالمي المعاصر، فقد جاء إعلان القاهرة عام 1943 ليضع النقاط على الحروف بنصه صراحة على إعادة الأراضي المغتصبة، وفي مقدمتها تايوان، إلى الصين، وهو ما أكده بصرامة إعلان بوتسدام عام 1945، الذي اشترط تنفيذ بنود إعلان القاهرة كشرط أساسي لإنهاء الحرب.
لكن هذا الحسم القانوني الذي كرسته مواثيق القاهرة وبوتسدام، اصطدم لاحقاً بتعقيدات الواقع الميداني إبان الحرب الأهلية الصينية الثانية (1945-1949)، فمع انكسار القوات القومية، تسارعت الخطى للبحث عن معقل أخير يضمن استدامة الإدارة، وهو ما جعل القيادة آنذاك تفاضل بين ثلاث وجهات استراتيجية لإعادة التموضع، وهي منطقة سيكانغ التي نادى بها القادة العسكريون لوعورتها الجبلية التي توفر حماية طبيعية ضد الزحف البري، وجزيرة هاينان التي رآها البعض خياراً مثالياً لقدرتها على استخدام مضيق تشيونغتشو كحاجز مائي دفاعي، وجزيرة تايوان الخيار الأخير الذي حُسم بفضل الرؤية العلمية للمؤرخ والجغرافي تشانغ تشي يون، وقد استند تشانغ في ترجيحه لكفة تايوان إلى تحليل شامل لم يتوقف عند التحصين الدفاعي فحسب، بل شمل الموارد الاقتصادية والوضع الدولي الاستثنائي، مما جعل من الجزيرة في ذلك الوقت الحصن الأكثر أماناً واستدامة لمشروع استعادة البر الرئيسي الذي كان يراود القوميين آنذاك. ومن هنا، تحولت تايوان من مقاطعة صينية محررة حديثاً إلى نقطة ارتكاز لصراع سياسي أطال أمد انفصالها الجغرافي، دون أن يغير من هويتها القانونية.
وتأسيساً على تلك الرؤية الاستراتيجية، لم يكن هذا الانتقال عشوائياً أو هروباً إلى المجهول، بل كان عملية نقل منظمة لمقدرات الدولة الصينية، فقبل عام من الرحيل، تم تعيين تشن تشينغ، المقرب من القيادة، حاكماً لتايوان لضمان السيطرة المطلقة وتهيئة الأرضية للمرحلة الانتقالية، والأهم من ذلك، تم نقل احتياطيات الذهب والعملات الصعبة وآلاف القطع الأثرية الثمينة من المدينة المحرمة، والتي لم تكن مجرد ثروات مادية، بل شكلت حجر الزاوية للاستقرار المالي والبناء الاقتصادي اللاحق في تايوان، و وجود هذه الكنوز التاريخية في متحف القصر الوطني بتايبيه اليوم هو أكبر دليل مادي على أن الجزيرة لم تكن يوماً إلا امتداداً حياً للهوية الثقافية الصينية، وأن ازدهارها الاقتصادي اللاحق قام على أكتاف مقدرات الشعب الصيني التي نُقلت من البر الرئيسي. وعلى الرغم من أن هذا النزوح المنظم لمقدرات الدولة قد منح الكيان الناشئ في الجزيرة فُرصةً لاستعادة أنفاسه، إلا أنه مهد الطريق لانحراف القضية عن مسارها التاريخي؛ فتايوان التي نبتت من جذور الحرب الأهلية كشأنٍ صينيٍ داخلي خالص، سرعان ما خضعت لعملية “تدويل” قسرية، لتتحول إلى رأس حربة في صراعات الحرب الباردة، وجرحاً نازفاً أذكته التوازنات الدولية.
لقد شكلت الحرب الكورية عام 1950 المنعطف الاستراتيجي الذي استغلته واشنطن لتحويل الجزيرة إلى أداةٍ وظيفية لاحتواء الصين، ففي عام 1951، صاغ وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس مفهوم سلسلة الجزر كخط دفاعي لمحاصرة المد الشيوعي. ومع أفول الاتحاد السوفيتي، أعيد توجيه هذه الاستراتيجية لتستهدف الصين بشكل مباشر، حيث تمتد “سلسلة الجزر الأولى” من جزر ألوشيان شمالاً، مروراً باليابان وتايوان، وصولاً إلى الفلبين، وفي هذا السياق، برزت تايوان كالحلقة الأكثر خطورة، وهو ما تجسد في وصف الجنرال دوغلاس ماك آرثر لها بأنها “حاملة طائرات لا تغرق”، ولم يتوقف الأمر عند التنظير السياسي، بل انتقل إلى المواجهة الميدانية حين أمر الرئيس هاري ترومان الأسطول السابع باختراق مضيق تايوان، وصولاً إلى توقيع معاهدة الدفاع المشترك بين واشنطن تايبيه عام 1954 .
ورغم ثقل هذا التحالف العسكري، إلا أنه لم ينجح في تطويع الإرادة السياسية للصينيين على ضفتي المضيق، حيث تكشف كواليس تلك المرحلة أن وحدة الصين كانت خطاً أحمر لا يقبل المساومة حتى في أوج الصراع الأيديولوجي، فرغم اعتماد جيانغ كاي شيك عسكرياً على واشنطن، إلا أنه أظهر صلابة تاريخية في مواقف حاسمة أفشلت محاولات الفصل رافضاً أي وصاية دولية أو محاولة لرسم حدود دائمة تعزل الجزيرة عن الوطن الأم، ولنا في أزمة عام 1958 خير مثال، الأزمة التي كشفت عن تفاهم ضمني عابر للأيديولوجيات، حيث أدرك الزعيم ماو تسي تونغ بحنكته أن الولايات المتحدة تسعى لإجبار جيانغ على الانسحاب من الجزر الساحلية (مثل كينمن وماتسو) لقطع الرابط الجغرافي تماماً وتمهيد الطريق للانفصال القانوني، وهنا وبدلاً من الحسم العسكري، ابتكر ماو تكتيكاً فريداً بقصف الجزر في الأيام الفردية فقط، وهو إجراء لم يكن عسكرياً بقدر ما كان سياسياً بامتياز، الهدف منه مساعدة جيانغ على تبرير بقاء قواته في تلك الجزر أمام الضغوط الأمريكية المطالبة بالانسحاب، وبذلك حافظ الطرفان على خيط الاتصال الجغرافي والسياسي قائماً، ليوجهوا رسالة صامتة للعالم بأن وحدة الصين تسمو فوق لغة الرصاص، وأن الانفصاليين لا مكان لهم في تاريخ ضفتي المضيق ولا في مستقبله.
هذه هي قصة تايوان الحقيقية، قصة جزء أصيل من الجسد الصيني، انتقلت إليه مؤسسات الدولة في سياق صراع داخلي، وبقي تحت السيادة الصينية تاريخياً وقانونياً، بشهادة المجتمع الدولي وفقاً للقرار 2758 للأمم المتحدة الذي يؤكد أن هناك صيناً واحدة فقط، وأن تايوان جزء لا يتجزأ منها، هذا القرار لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان تصحيحاً لمسار التاريخ، حيث نص صراحة على إعادة جميع حقوق جمهورية الصين الشعبية والاعتراف بممثلي حكومتها بوصفهم الممثلين الشرعيين الوحيدين للصين لدى الأمم المتحدة، هذه الشرعية الدولية لم تُمنح من فراغ، بل كانت ثمرة نضال دبلوماسي خاضته دول صديقة آمنت بعدالة القضية، حيث برز الدور الإفريقي وخاصة الموريتاني كحجر زاوية في هذا الانتصار الدبلوماسي، فقد كانت موريتانيا من أوائل الدول التي تحدت القوى العظمى وآمنت بوحدة الصين، حيث كانت ضمن الدول الـ 23 التي رعت وقدمت مشروع القرار التاريخي، ولم يقتصر دورها على التصويت بـنعم فحسب، بل كانت رأس حربة دبلوماسية في القارة السمراء للدفاع عن حق الشعب الصيني في تمثيل نفسه. لقد جسدت القارة الإفريقية في تلك الدورة تضامناً منقطع النظير، حيث ساهمت الدول الإفريقية بنحو ثلث الأصوات المؤيدة للقرار، مما جعل الزعيم ماو تسي تونغ يطلق مقولته الشهيرة “إن إخوتنا الأفارقة هم من حملونا على أكتافهم إلى الأمم المتحدة “.
وإذا كان الإخوة الأفارقة قد عبدوا الطريق لعودة الصين إلى المحفل الدولي، فإن استعادة الصين لمقعدها في الأمم المتحدة عام 1971 لم تكن إلا بداية لتصحيح المسار التاريخي على نطاق أوسع، فسرعان ما أدركت القوى الكبرى عبثية القفز فوق الواقع والتاريخ، وفي ديسمبر 1978، قبلت الحكومة الأمريكية المبادئ الثلاثة التي وضعتها الصين مع إقرار واشنطن الصريح بأن هناك صيناً واحدة فقط، وأن تايوان جزء منها. لكن وبشكل يكشف عن ازدواجية في المعايير السياسية، لم تمر سوى ثلاثة أشهر حتى أصدر الكونغرس الأمريكي ما يسمى بقانون العلاقات مع تايوان، وهو تشريع محلي استُخدم كأداة للالتفاف على المواثيق الدولية والتدخل في الشؤون الداخلية للصين عبر استمرار بيع الأسلحة، ولحل هذه المعضلة وقع الطرفان بيان 17 أغسطس 1982، حيث تعهدت فيه واشنطن رسمياً بأنها لا تسعى لتنفيذ سياسة طويلة الأمد لبيع الأسلحة لتايوان، وأنها ستعمل على تقليل مبيعاتها تدريجياً وصولاً إلى الحل النهائي، ومع ذلك أثبتت الوقائع من صفقة طائرات أف -16 عام 1992 وصولاً إلى الحزمة الضخمة نهاية عام 2025 أن الولايات المتحدة لا تزال تضع العوائق أمام التوحيد السلمي، متنصلةً من التزاماتها في البيانات الثلاثة التي تعد الركيزة الأساسية للعلاقات الثنائية بين البلدين.
إن القراءة المتأنية لمسار التاريخ، من سجلات عصر الممالك الثلاث وصولاً إلى واقع القوة الشاملة في عام 2026، تؤكد أن تايوان لم تكن يوماً مجرد ورقة جيوسياسية في حسابات القوى العابرة للبحار، بل هي نُدبة الماضي التي يمحوها اليوم بريق النهضة الصينية، فبينما تحاول القوى الخارجية استحضار قعقعة السلاح لعرقلة المسار، ترد بكين برصانة المنطق القانوني وقوة الحضور الميداني، مستندةً إلى إرثٍ من الشرعية الدولية التي صاغتها دول الجنوب العالمي، وعلى رأسها قارتنا الإفريقية. و إن ما نراه اليوم من مناورات “مهمة العدالة 2025 ” وتفوقٍ تقني من المنجنيق الكهرومغناطيسي للحاملة فوجيان إلى تكتيك الأسراب الذكية لمسيرات جيوتيان( أول حاملة مسيّرات طائرة في التاريخ) مرورا بالردع المداري لصواريخ Dongfeng 5C ليس إلا إعلاناً عن عهد المسافة صفر، الذي يتميز ببناء جدار ناري يمنع التدخل الخارجي، حيث تتحول السيادة من نصوصٍ تاريخية ومواثيق دولية إلى واقعٍ يحمي مضيق تايوان ويحوله من بؤرة توتر إلى شريان أمان للتجارة العالمية.
إن العالم الذي يستقبل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بات يدرك يقيناً أن ازدهار الاقتصاد العالمي واستقرار الملاحة مرتبطان عضوياً بوحدة الصين واستقرارها، فالسلام في الجزيرة لا يصنعه السلاح المستورد مهما بلغ من تطور، بل يصنعه التاريخ المشترك، والوعي بمتطلبات العالم الجديد المتعدد الأقطاب، حيث تبرز الوحدة الصينية كحجر زاوية لا غنى عنها لبناء مجتمع المصير المشترك للبشرية جمعاء. وفي نهاية المطاف، يثبت هذا المشهد أن أي رهان على فصل الجزيرة هو رهانٌ يتجاهل عمق الروابط التي لم تقطعها المدافع؛ فالحقيقة الراسخة هي أن القضية، في جوهرها الأصلي، ستظل شأناً صينيا داخليا يُحل خلف أسوار سور ها العظيم.
د. يربان الحسين الخراشي، عضو مجلس الإدارة في الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل